مواقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من سورية

انتخب الرئيس الفرنسي الجديد بما يشبه الأغلبية الشعبية حسب مبادئ الديموقراطية الغربية، من ثم عدل موقفه بالنسبة إلى سورية، فقد صرح خلال حملته الانتخابية أنه سيذهب إلى سورية للإطاحة بالرئيس الأسد، مع الأمم المتحدة أو من دونها.

خلال مقابلة مع الصحافة الأوربية أعلن الرئيس ماكرون أن الرئيس الأسد هو الشخص الشرعي الوحيد الذي يجب التعامل معه لحل الأزمة السورية.
عدد كبير من الفرنسيين لن يقتنعوا بكلام الرئيس الفرنسي، وخصوصاً عندما يراقبون تعامل فرنسا على الساحة الدولية بالنسبة للملف السوري، فهي الوحيدة تقريباً التي ما زالت تنادي بتنحي الرئيس الأسد، فماذا حصل كي يغير الرئيس ماكرون موقفه؟ وهل هذا يعكس سياسة الدولة الفرنسية برمتها؟
هناك أمران يجب الإشارة إليهم، الأول هو الخلاف الواقع بين ألمانيا والولايات المتحدة لا سيما بعد قمة الحلف الأطلسي الأخيرة، إذ أجبر الرئيس ترامب الأوربيين على دفع المستحقات المالية، وأجبرهم على لعب دور أكثر فاعلية في الحرب السورية للتخفيف عن أمريكا.

ألمانيا المهيمنة على فرنسا والمختلفة مع الرئيس ترامب، ناورت سياسياً مع هذا الأخير بموضوع سورية عبر الرئيس ماكرون، أما النقطة الثانية فهي إرادة الأوربيين وخاصة الألمان ومعهم الفرنسيون بحجز دور لهم في إعمار سورية، بعد ما أصبحوا على يقين من أن المعركة باتت محسومة لصالح سورية وحلفائها،
لكن هناك بعض الأخبار التي يجري تداولها في كواليس السياسة الفرنسية، أن سبب تغيير موقف الرئيس الفرنسي من الرئيس السوري بشار الأسد مبني على تقرير سري للمخابرات الفرنسية يلخص أن الرئيس السوري أثبت أنه أقوى مما كان عليه في السنوات الماضية، لكن ما لبث الرئيس الفرنسي أن غيّر رأيه، بعد اتصال الرئيس الأمريكي ترامب به…
ويبدو أن (إيمانويل ماكرون) ركب موجة التبصير التي تقوم بها أمريكا في هذه الأيام بخصوص ضربة كيميائية محتملة في سورية، يجب التنبيه أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قد تكلم خلال حملته الانتخابية أنه في حال حصلت ضربة كيماوية في سورية، فهو سيعاقب الدولة السورية، ويمكن أن يوجه لها ضربات عسكرية، ما يؤكد الأحكام المسبقة للرئيس ماكرون تجاه الدولة السورية، وما يفتح الأبواب على كل الاحتمالات.

لا ننسى أن الرئيس ماكرون يريد أيضاً الخروج من التهمة المنسوبة إليه بأنه سيسير بسياسة الرئيس السابق فرانسوا هولاند، فيما يخص سورية، لكن يبقى على السوريين وحدهم وكما أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تقرير مصيرهم من خلال انتخابات حرة ونزيهة، ولا يحق للرئيس ماكرون أو لغيره التدخل بهذا الشأن وإلا فإن هذا التدخل يعتبر فعلاً استعمارياً، وكل مناهضة له هي شرعية.

 بالنهاية، من يعتقد أن السياسة الفرنسية تغيرت بالنسبة للملف السوري فهو مخطئ، لأنه ولسوء الحظ، فرنسا ليست مستقلة تماماً برسم سياستها الخارجية، وكل تغيير في هذا المجال، ما هو إلا مناورات لخدمة بعض المصالح الخاصة،
بينما هناك شعب يعاني من تداعيات حرب مفروضة عليه، فضلاً عن الحصار الاقتصادي الذي يجعل الشعب السوري رازحاً تحت أقدام الغلاء المعيشي، والنقص المادي، وفقدان أقل مقومات الحياة اليومية.

استقبل الرئيس ماكرون الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمناسبة العيد الوطني الفرنسي، وهنا يجب الإشارة إلى أنه في صباح اليوم الذي وصل فيه الرئيس الأمريكي إلى باريس، كان الرئيس الفرنسي مجتمعاً مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل،
المختلفة تماماً مع سياسة دونالد ترامب، وكان الرئيس ماكرون يريد الظهور كمحاور للجميع كما لو أنه صلة الوصل بين أوربا المهيمنة عليها ألمانيا وأمريكا، في ظل صراع القوتين اقتصادياً وعسكرياً.
يريد الرئيس ماكرون لعب دور الوسيط المعتدل، والظهور أمام الشعب الفرنسي أنه رجل هذه المرحلة الصعبة، بما فيها من تهديدات إرهابية، وأزمات سياسية واقتصادية، خاصة في أوربا مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي.

أما بالنسبة للمؤتمر الصحفي الذي جمع الرئيسين الأمريكي والفرنسي، فتكلم هذا الأخير عما دار في المحادثات بخصوص محاربة الإرهاب، العلاقات التجارية واقتصاد البلدين في كثير من المجالات، أما الرئيس ترامب فقد حصر الإرهاب وتمويله بإيران، سورية، وكوريا الشمالية،
وهذا لا ينبئ بالخير، لكن عندما يقود الغرب حرباً طاحنة هدفها الأول والأخير الإطاحة بالدولة السورية، التي يرأسها بشار الأسد ومن ثم يعدلون في مواقفهم، ويتخلون عن أهدافهم، فهذا مؤشر خسارتهم للمعركة.

 انتصرت سورية، وفرضت نفسها على أعدائها المجبرين كرهاً على تغيير مواقفهم تجاهها. 

 الصحفي والكاتب السياسي أنطوان شاربنتيي

العدد 1194 - 15/04/2026