هكذا ضاعت روحي«حكاية أصابع كانت تكتب»

 كنت أشتري الكتب لأقرأ قصة، فأسافر مع أحداثها

كنت أشتري الورق والدفاتر الملونة لأكتب قصة، فيسافر معي العالم في طيارة سحرية من ورق.

كانت القصة غمامة بيضاء تمر فتأخذني معها ولاتتركني إلا عندما أكتبها.

تمد رأسها مثل صوص صغير يكسر البيضة بشقاوة، وما أن يخرج حتى يسعى بجهد كبير ليلقى خطبة صغيرة بجماهير الدجاج ويطلق أول صيحة له في دنيا العالم: فقد ولد كائن جديد.

كانت القصة تنمو في داخلي مثل قبرة، ثم تخرج دفقة واحدة، صادقة، من القلب إلى القلب، من الروح إلى الروح. من الحياة إلى الحياة، من الإنسان إلى الإنسان، كنت أخاف من أي زيف فيها.

وكنت أكتبها كأني أعزف على ناي، أو كأني أرسم وجهاً لصبية أعشقها.

كل صفحة كنت أكتبها كانت عندي مثل بستان، وكان علي أن أجمعها في دفاتر ذكية الرائحة، وأنكش التراب حولها وأسقيها بدمع العين كما كنا نسقي ريشة طاووس ملونة وضعت في القرآن الكريم.

كنت أجلّد دفاتري…أضع فيها زهراً وعطراً.. أصنع لها مكتبة من خشب الحور، وأرتبها مرة واقفة ومرة مستلقية…وكانت تكبر وتكبر…

كنت أرسم ورداً على الأغلفة وأكتب إهداءات كثيرة على الصفحات الأولى…كنت أحتسي القهوة وأنا أكتب…كنت أدخن وأنا أكتب وأسمع عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم وفايزة أحمد…كنت أقرأ ماكتبته للأصدقاء والأهل وكانوا يفرحون.

كانت الكتابة طقساً أعيش فيه، ثم ألتفت إلى كل ماتحكيه الحياة من حولي من هموم…فالكتابة غذائي وسلواي، وكلما أحسست أن النبع سينضب كنت أشتري الكتب وأقرأ، وأقرأ، فأسافر بلا أجنحة ولا حقائب مثل سندباد حالم..

استمر ذلك إلى أن أصبحت الكتابة مهنة…

عندما أصبحت مهنة، صارت عبئاً.

هاأنا أكتب بواسطة الكمبيوتر على أوراق بيضاء اسمها 4A لا رائحة لها سوى جفاف الرطوبة.

أكتب وظهري يؤلمني…الراديو لا يعمل إلا نادراً، فصوت نانسي عجرم يجرح قلبي وصوت هيفاء وهبي يجلدني…. أما صوت كل من شاكيرا وروبي فإنه يجعلني اشعر بالكآبة ودناءة الشهوة.

لم يعد لي دفاتر…لم أعد أهتم بكتابة اسمي على أي دفتر.

لم أعد أهتم بكتاباتي.

إنها لا تعنيني….خذوها كلها واتركوا دفاتري القديمة.

إنها ولد عاق ولدته أمه في الديسكو، ورمته، فلم يعد يسمع رأيها، ولم يعد يهتم بشيخوختها.

آخر مرة كتبت فيها على الورق قبل عشر سنوات، أعرف ذلك من تاريخ انتهاء القرض الذي اشتريت به الكمبيوتر…

منذ أن رميت القلم والأوراق، والكمبيوتر يأكل بصري، والدوار يسيطر علي ولكني تعودت عليه.. صار جزءاً مني لكنه لا يعاتبني. يكتب الأفكار كما تضعها أصابعي لا كما تضعها روحي…

أعيدوني إلى بيتنا العتيق في الجسر الأبيض عند سفح قاسيون.

أعيدوا الترومواي إلى سكته.. والكباد إلى شجرته… والعنب إلى داليته.. والماء إلى نهره… أعيدوا روحي التي ضاعت منذ مات أبي على الرصيف، ونامت أمي على كفي كحمامة.

أعيدوا قلم الحبر السائل، والدفاتر التي ألصقت عليها صورة حبيبتي ديمة الصغيرة.. أعيدوا قلبي…أعيدوا كل هذا لأكتب لكم قصصاً نظيفة تحبونها عن هذا العالم.

 

العدد 1194 - 15/04/2026