ما بعد غزة

محمد عادل عرب:

(ما بعد غزة) مصطلح غربي، بادرت الخارجية الأمريكية إلى طرحه، وتتداوله الإعلام الأمريكي فالإعلام الغربي فالإعلام العربي التابع. وهو يفترض أن حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الجيش الإسرائيلي وحلفاؤه في غزة وبحار المنطقة قد حققت أهدافها المعلنة وغير المعلنة.. أي القضاء التام على فصائل المقاومة، وتحرير الرهائن، وتدمير مدن غزة وقراها ومسحها من الوجود وقتل أهلها وتهجيرهم لجعل منطقة غزة آمنة، ومن ثم يأتي دور الضفة، وعرب 48.. حقيقة موضوعية.. ومن هذا المدخل جاء التحدث المتأخر على (مراحل الحرب)، والتهديد المزعوم بـ (استمرار الحرب سنوات).

بعد ثلاثة أشهر من أعنف هجوم عسكري في تاريخ حروب المنطقة لم تحقق حرب إسرائيل الصهيونية وحلفائها أيّ هدف بعد، لا في شمال غزة ولا في وسطها ولا في جنوبها، ولم تُنصب خيمة لجوء واحدة في الدول المجاورة.. وأحياناً يجري التلاعب بهذا المصطلح ملاءمة للطرف العربي، من مثل العنوان (بلينكن يلتقي بالرئيس المصري لمناقشة محنة الفلسطينيين في غزة). (محنة الفلسطينيين في غزة)، إذاً:

ما الهدف من تداول مصطلح (ما بعد غزة) صباح مساء؟

الهدف الرئيسي حرب نفسية لرفع المعنويات المنهارة لدى مؤيدي إسرائيل، وإحباط المعنويات المرتفعة لدى مؤيدي حقوق الشعب الفلسطيني، بخلق صورة ذهنية نمطية كاملة عن حرب حققت انتصاراً أمريكياً إسرائيلياً منجزاً أو في طريقه إلى الإنجاز، على الرغم من أن الحرب لم تحقق أي هف من أهدافها بعد.

ويتفرع عن الهدف الرئيسي عدة أهداف دبلوماسية وسياسية وعسكرية واقتصادية، مما يعني وضع خطط وبرامج تنفيذية يقوم أركان الإدارات الغربية أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا بتقاسم أدوارها في المنطقة.

  • دبلوماسياً: حصر الحرب على جبهة غزة. (الزيارات الفرنسية والألمانية والأمريكية إلى لبنان، والاتصالات مع إيران وحزب الله والحوثيين)، والحفاظ على علاقات التطبيع، والضغط لاستئناف المفاوضات التي قطعتها معركة (طوفان الأقصى) في ظل حرب الإبادة الجماعية التي لم تحقق أي هدف بعد. إضافة إلى إبراز دور قطر ومصر والإمارات والبحرين والسعودية.
  • سياسياً: إعادة إحكام الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط تجنباً لـ (ما بعد انتصار روسيا وتبلور تعدّد الأقطاب)، ودفع دول المنطقة بعيداً عن الصين وروسيا، من خلال إشراكها في العملية السياسية الجارية وإبراز دورها. إضافة إلى التأكيد أن أمريكا وفية لحلفائها ولأصدقائها ولأتباعها، وكذا إسرائيل.

3- عسكرياً: مشاركة إسرائيل في حرب الإبادة الجماعية، وجرّ دول المنطقة إلى حلف عسكري أمريكي تهرباً من توقيع اتفاقيات دفاع مشترك بينية، وفقاً لمطلب بعض دول الخليج. يبدأ بقصف الحوثيين (عربونا) بأمر من الرئيس بايدن، ليتاح له التصريح به في مطلع حملته الانتخابية.

4- اقتصادياً: تقليل تكلفة النقل البحري عبر قناة السويس، والحد من منافسة الصين التجارية، وعرقلة نقل الطاقة الرخيصة إليها، وضمان سلسلة التوريدات، وحماية التجارة الإسرائيلية تصديراً واستيراداً، إضافة إلى الضغط على الدول الغربية الغنية لإعادة إعمار مدن فلسطينية صغيرة متباعدة عن بعضها وعن المستوطنات الإسرائيلية، ودفع تكاليف إداراتها الذاتية، وذلك كله عبر السيطرة الإسرائيلية مالياً وجمركياً بحسب أوسلو، وتحديد مقدار مواد البناء بالكيلو غرام.

العدد 1194 - 15/04/2026