الزلزال الأسود يكشف معادن الدول
د. صياح فرحان عزام:
عند وقوع المصائب تتكشف معادن البشر، وفي أوقات الكوارث تتكشف معادن الدول، فالزلزال الأخير الذي وقع يوم السادس من شباط الجاري، ضرب سورية وتركيا وخلّف الموت والخراب فيهما، وأصاب أيضاً لبنان والعراق واليونان، ووصلت ارتداداته إلى مصر، ويعد من أقوى الكوارث الطبيعية خلال هذه الألفية.. هذا الزلزال كشف حالات الدول، فقد تبين بوضوح أن هناك دولاً نفيسة المعدن، أصيلة النهج، إنسانية الفكر والتوجه، فهي لم تنتظر نداء من الدول المصابة بالكارثة لطلب المساعدة ومد يد العون لها كي تلبي، بل بمجرد أنها علمت بذلك هرولت سريعاً للعون والمساعدة، بعيداً عن الحسابات السياسية الرخيصة. وبالمقابل هناك دول لم تحرك ساكناً، وتفرق بين الشعوب، وفقاً لحسابات سياسية انتهازية وأفكار عقدية رثة، تصمّ آذانها عن سماع نداءات الإغاثة، وترى الناس يموتون أمامها من دون أن يهتز لها رمش، ويحكمها ساسة لا يرون ولا يسمعون ولا يتعظون مما حدث ويحدث.
الزلزال لم يزلزل الأرض تحت أقدام السوريين والأتراك فقط، لكنه زلزل كل إنسان يعي أن الكوكب الذي يجمعنا هو كوكب واحد، لا يوجد فيه مكان محصن ضد الكوارث الطبيعية، وأن ما يحدث في شرق العالم اليوم، قد يحدث في غربه غداً أو بعد غد، وما يصيب وسطه اليوم يمكن أن يصيب شماله غداً وجنوبه بعد غد، فالأرض التي يعيش عليها البشر كافة ليست سوى سفينة تبحر بهم جميعاً، ثم إن الكوارث أمواج عاتية تجرف بعض ركابها لامتحان الآخرين، ومن الطبيعي أن يكون بين الناجين من يهبون لإنقاذ المنكوبين، وبينهم قُساة القلوب الذين يتجاهلون الموتى، وصرخات المصابين العالقين بين ركام الأبنية المتهدمة، وآلام الموجوعين وحياة المهددين. هذا بالضبط ما عاشه العالم خلال الأيام الماضية وحتى الآن.
إذاً، نعود للقول: منذ فجر يوم الاثنين الأسود الذي وقع في فجره الزلزال، ومعادن الناس والدول تتكشف وحدها وتفرز الطيب من الخبيث، والمتعاطف من المتجاهل أو المتشفي أحياناً.
بطبيعة الحال هناك دول بادرت فوراً إلى تقديم المساعدات بأنواعها المختلفة، إلى جانب فرق إنقاذ للمساهمة في انتشال الضحايا من تحت الأنقاض، الأمر الذي يساهم في تخفيف الآلام عن المدن والقرى والعائلات المصابة بفقدان أبنائها ومنازلها، وهذا ما يعبر عن إرادة خيّرة ومعدن أصيل.
بالمقابل وبالرغم من هول الكارثة وتداعياتها من حيث أعداد الضحايا والمصابين ومشاهد الأنقاض المرعبة وأوضاع المتضررين المبكية، فإن العديد من الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأروبيون سارعت إلى دعم تركيا وتجاهلت الوضع السوري الكارثي بسبب الزلزال، وكأن هذه الدول لم تكتف باثني عشر عاماً من القتل والتخريب الذي ارتكبوه في سورية بشكل مباشر أو عن طريق عملائهم الإرهابيين الذين أرسلوهم إلى سورية من كل أنحاء العالم بعد أن دربوهم وسلحوهم ومولوهم، ولم تكتف هذه الدول أيضاً بدعم الإرهاب واحتلال بعض الأراضي السورية وسرقة نفطها وقمحها وآثارها ومعاملها، بل عمدت إلى فرض حصار اقتصادي وسياسي جائر على الشعب السوري.. نعم لم تكتف الدول المذكورة بذلك، بل هي في هذه الأيام تحاصر السوريين المنكوبين وتعاقب القتلى تحت الأنقاض، وهم بذلك (أي الدول المذكورة) يعلنون دفن مشاعرهم الإنسانية في المقابر التي ستجمع ضحايا كل كارثة طبيعية تقع في هذا الكون.
تصر هذه الدول من خلال مواقف مسؤوليها على التعامل مع الشعب السوري من منطلقات سياسية ومصلحية ضيقة، وعنصرية فاضحة تتجاوز مفهوم الإنسانية وقيمها وتعبر عن أحقاد مزمنة.
لا شك بأن لسورية أشقاء وأصدقاء مدوا لها يد المساعدة، المهم أن هذه الكارثة وارتداداتها وتداعياتها غربلت مواقف الدول.