أيّها المارّون بين الكلمات العابر: منكم دبّابةٌ أُخرى.. ومنّا حجر
د. نهلة الخطيب:
يقول إدوارد سعيد: ورغم أن أي فلسطيني يعرف حقّ المعرفة أن ما جرى لهم طيلة العقود الماضية هو عاقبة مباشرة للتدمير الذي ألحقته إسرائيل بوطنهم في عام 1948، فإن السؤال السياسي والإدراكي يظل يدور حول إمكانية رسم خط واضح مباشر يصل بين عذاباتهم منذ ذلك الوقت وعذاباتهم في الوقت الحاضر، ولا أعتقد أن رسم هذا الخط متاح.
بعد عام من جلوسه في صفوف المعارضة ها هو ذا زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو يعود إلى السلطة من جديد بحكومة قد تكون الأكثر تطرفاً أعلن عنها قبل أيام بتشكيل ائتلاف حكومي إسرائيلي مع أحزاب معسكره اليمينية المتطرفة في الدقائق الأخيرة قبل انتهاء المهلة القانونية من تكليفه بتشكيل الحكومة، أيام تفصل الكنيست عن موعد أداء القسم الدستوري لحكومة تشكل جدلاً واسعاً حتى في إسرائيل، حكومة مبنية على الفساد والتطرف وزير أمنها القادم إيتامار بن غفير المتهم سابقاً بدعمه للإرهاب والتحريض، وبتسلئيل سموتريتش وزير الدفاع الذي لوحق من قبل أجهزة الأمن الاسرائيلي سابقاً، وهو داعم لحركات محظورة، وكلاهما مستوطنان يدعمان الاستيطان ويدعوان لتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الاسرائيلية وبسطها على الضفة الغربية واعادة احتلالها، إضافة إلى تنفيذ أحكام الاعدام بحق فلسطينيين نفذوا عمليات ضد إسرائيليين، وقد تعهد بذلك نتنياهو مع تشكيل الحكومة وقد يتم تمريرها باعتبار أن الغالبية القصوى في الكنيست من اليمين المتطرف، وسوف يتم تمرير مشروع قانون بن غفير الذي يتيح له توسيع صلاحياته ليصبح وزيراً للأمن القومي والمسؤول الأول عن قرارات الشرطة الإسرائيلية، ومشروع قانون آخر يتيح لرئيس حزب شاس المتدين أرييه درعي تولّي حقائب وزارية على الرغم من إدانته سابقاً بتهم فساد. ولأول مرة تباشر الأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة العمل البرلماني قبل تشكيلها رسمياً، فوجود أحزاب دينية متشددة داخل الائتلاف الحاكم يمثل تهديداً على المستوى التشريعي، وكذلك فيما يتعلق بهوية اسرائيل كدولة تعددية ديمقراطية تؤمن بالمساواة التامة بين المواطنين كما يصفها الغرب، إذ يعتبرها نموذجاً للأنظمة الحزبية الديمقراطية، التي تصنّف إلى أحزاب إثنية عربية كالجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برئاسة أيمن عودة، والقائمة العربية للتغيير برئاسة أحمد الطيبي، ويهود الأشكناز من اليهود المتطرفين والمنبوذين، وأحزاب إيديولوجية دينية ما بين يمين معتدل ومتطرف ويسار.
إسرائيل قامت منذ البداية على أساس ديني، هدفها منذ تأسيسها المحافظة على يهودية دولتهم المزعومة، والأحزاب اليمينية المتطرفة ترفض فكرة إقامة دولة فلسطين أو حتى الاعتراف بفلسطين التاريخية، وتتمسك بإسرائيل الكبرى التي تمتد أراضيها من الفرات إلى النيل بحسب الرواية التلمودية، وبرنامج الائتلاف الحكومي الاسرائيلي المرتقب بزعامة نتنياهو هو بمثابة إعلان حرب ضد الفلسطينيين، فهو يتمحور حول منح صلاحيات الحكم الذاتي للفلسطينيين من دون سيادة، وإبقاء السيطرة الأمنية لإسرائيل، إضافة إلى تعزيز الاستيطان وشرعنة البؤر الاستيطانية وضم مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية إلى أراضي إسرائيل.
وقد تزامن تشكيل الائتلاف الحكومي الاسرائيلي الجديد مع استمرار العمليات العسكرية والقتل والاعتقال وتسارعها في الضفة الغربية، وتأتي بعد عام اعتبر أكثر دموية منذ عقود، وشهد قتل ما يزيد عن 224 فلسطينياً بالرصاص الاسرائيلي خلال عمليات عسكرية في عموم الأراضي الفلسطينية، وهذا ما يلقي بظلال قاتمة على مستقبل العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، ويضعف ما تبقّى من إمكانية حلّ الدولتين، والمسارُ السلمي التفاوضي أصبح لا جدوى منه، ما يستوجب لجوء الفلسطينيين إلى خيارات بديلة، بتوحيد الموقف الوطني الفلسطيني في مواجهة هذه الحكومة وبرنامجها، وعدم التعويل على موقف الإدارة الأمريكية وخلق وقائع على الأرض من شأنها تغيير موازين القوى، بتفجير الداخل الفلسطيني، والاصطدام المباشر مع الحكومة الإسرائيلية يثير قلق الإدارة الأمريكية والأوساط الأوربية وما تشكله من خطر على المستقبل الداخلي الإسرائيلي، وأن حكومة نتنياهو قد تشكل تهديداً خطراً على مستقبل إسرائيل، لا سيما مع ما نشهده من مخاض لنظام عالمي جديد وتوترات جيواستراتيجية بين الدول العظمى وتداعياتها على العالم ومنطقة الشرق الأوسط بالأخص، مما دفع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ للتحذير من تسييس الحكومة القادمة بشكل كامل، ووزير المالية الاسرائيلية السابق أفيغدور ليبرمان يقول إن نتنياهو تمكن من تشكيل حكومة الظلام، وشبّهها بحكومة طالبان لأنه أعطى الأولوية للحريديم والفصل بين الجنسين وانتهاك حقوق الإنسان.
تغيير الحكومات الإسرائيلية منذ زرع الكيان الصهيوني في فلسطين لم يؤثر على تناولها للملف الفلسطيني، فهي تنتهج سياسة القمع والتنكيل والتهجير ضد الفلسطينيين، ومنذ بدء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تصدر القرارات الدولية لصالح الفلسطينيين ولا تطبّق والعالم لا يسمع إلا لغة القوي. عندما يصبح الفلسطينيون أقوياء ويشعرون أن هناك انتفاضة قادمة على الأرض الفلسطينية سيسعون من أجل الحل. الحق لا يطالب به وإنما ينتزع وليس أمام الفلسطينيين سوى مراكمة القوة لكي يكونوا رادعين لأعدائهم، وإلا سيكون مصيرهم كمصير شعوب كثيرة انصهرت وتلاشت، والتاريخ خير شاهد.
ونختم بإدوارد سعيد كما بدأنا: نعم، كانوا في عداد الضحية، وتعرضت هويتهم للتهديد وتعرضوا للتهجير والمعاناة وأن هناك اتفاقاً مضمراً بين الحكومات العربية والإسرائيلية والأمريكية على التخلص منهم كقوة سياسية، ولكن أبعاد تجربتهم الفلسطينية زودتهم بالكثير من الانتباه والوعي الذاتي كجماعة تقف على حدة من الآخرين، بحيث تعذّر أن يكونوا مجموعة سكانية لها منافيها الصريحة والواضحة ورؤيتها المنهجية التامة، وفي الآن ذاته هم أكبر حجماً وأكثر إثارة للمتاعب من أن يظلوا مجموعة من اللاجئين لا تثير سوى العطف.