يهود الولايات المتحدة الأمريكية وظاهرة بن غفير

د. ماهر الشريف:

بينما كان نواب حزب الليكود ينسحبون من جلسات الكنيست كلما تحدث مئير كهانا، زعيم حركة (كاخ) العنصرية المتطرفة، من على منصته، أصبح (الكهاني) إيتمار بن غفير، زعيم حزب (قوة يهودية)، أقرب حلفاء زعيم الليكود بنيامين نتنياهو الذي وعده، كما يبدو، بحقيبة وزارية رئيسية في حال فوزه في الانتخابات التشريعية التي ستجري في الأول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) القادم. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن التحالف الصهيوني الديني الذي يضم حزب بن غفير قد يفوز خلال هذه الانتخابات بـما بين 12 إلى 14 مقعداً، ليغدو القوة الثالثة في الكنيست بعد حزبَي الليكود و(يوجد مستقبل). وكانت آخر مواقف هذا العنصري المتطرف قيامه، قبل أيام، بإشهار مسدس أثناء مواجهة مع شبان فلسطينيين وقعت في حي الشيخ في القدس المحتلة، زاعماً إلقاء الحجارة عليه وعلى مناصريه خلال زيارته الحي. ومع أنه لم يستخدم المسدس، إلا أنه طلب من رجال الشرطة الموجودين حوله إطلاق الذخيرة الحية على الشبان العرب الذين يرشقون الحجارة. وكان بن غفير قد صرّح، قبل فترة، لموقع Ynet الإخباري، إن أحد شروطه للانضمام إلى ائتلاف حكومي سيكون تغيير قواعد (إطلاق النار) من جانب الشرطة والجيش الإسرائيليين، بما يمكّن أفراد قوات الأمن من استخدام الذخيرة الحية رداً على أي هجوم يقوم به شبان عرب، حتى في حالة إلقاء رذاذ طلاء على المركبات المدرعة[1].

ولقياس مدى شعبية إيتمار بن غفير في أوساط المجتمع الإسرائيلي، الذي يتحوّل أكثر فأكثر نحو مواقع اليمين القومي والديني المتطرف، نشرت مجلة (لكسبريس) الفرنسية في 11 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري تحقيقاً عنه، يتتبع حملته الانتخابية في سوق مدينة بتاح تكفا، في ضواحي تل أبيب، ويذكر أنه (ما كاد النائب في الكنيست يخرج من سيارته حتى اندفع الناس نحوه، وتزاحم المارة والتجار حوله من أجل التقاط صور شخصية معه أو مصافحته، وخاطبه أحد بائعي الخضار في السوق قائلاً: (أنت تعرف على الأقل كيف تتحدث إلى العرب!) ، بينما قال رجل عجوز: (أيتمار ملك إسرائيل، ستكون رئيس وزرائنا القادم إن شاء الله!)[2].

 

صمت مريب من جانب المنظمات اليهودية الكبرى

أثار وصول ممثلي التيار الصهيوني الديني المتطرف، الذي يمثّله إيتمار بن غفير، إلى الكنيست في سنة 2019 قلق أوساط واسعة من اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى بين المنظمات اليهودية الأكثر تأييداً لإسرائيل والأكثر حرصاً على سمعتها كدولة (ديمقراطية). ففي سنة 2019، عندما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو يجري محادثات مع حزب (قوة يهودية) للاتفاق معه على شروط مشاركته في حكومته، وجهت إليه أربع من المنظمات اليهودية الأمريكية الرئيسية، وهي (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية ) (AIPAC) ، و(اللجنة اليهودية الأمريكية) (AJC) ، و(مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى) ، و(المجلس اليهودي للشؤون العامة) (JCPA)، رسالة واضحة مفادها (لا تفعل ذلك)، وهو ما ساهم آنذاك في منع بنيامين نتنياهو من إشراك ممثلين عن حزب إيتمار بن غفير في حكومته. بيد أن هذه المنظمات الأربع قررت حالياً التزام الصمت حيال مشاركة بن غفير في حكومة قد يشكّلها بنيامين نتنياهو في حال فوزه في انتخابات الكنيست التي ستجري بعد أسابيع قليلة، وذلك بذريعة أنها لا تريد التدخل المباشر في هذه الانتخابات، إذ أعلن ويليام داروف الرئيس التنفيذي لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى (إن مؤتمر الرؤساء يتبنى سياسة قديمة تتمثل في عدم التعليق على الانتخابات الإسرائيلية، باستثناء الاحتفاء بالعملية الديمقراطية النشطة الجارية في الديمقراطية الوحيدة في المنطقة).

ومع أن أسباب الإحجام عن التحدث علانية في هذا الموضوع غير واضحة، إلا أن سكوت لاسينسكي، أستاذ الدراسات الإسرائيلية واليهودية في جامعة ميريلاند، أرجع هذا الصمت إلى عامل التعب من انتخابات إسرائيلية ستجري للمرة الخامسة خلال ثلاث سنوات، كما إلى الأزمات التي ابتلي بها الأمريكيون منذ سنة 2019 – وباء فيروس كورونا، وغزو روسيا لأوكرانيا، والتضخم ، وانتفاضة 6 كانون الثاني (يناير) 2020 ضد الكابيتول. وقال لاسينسكي أيضاً إن الجماعات اليهودية الأمريكية (تلتزم بـمعيار الاحترام عند التعامل مع إسرائيل، ولا تخرقه إلا في ظروف استثنائية؛ وإذا كانت احتمالية رؤية حزب قوة يهودية في الحكومة غير عادية في سنة 2019، فهي لم تعد كذلك اليوم بعد أن أصبح الحزب طبيعياً بين الإسرائيليين)[3].

غير أن هناك عاملاً آخر وراء هذا الصمت المريب يتمثّل في انعكاس الاستقطاب المتزايد داخل المجتمع الأمريكي بين أنصار الحزب الجمهوري وأنصار الحزب الديمقراطي على الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي 15 آذار (مارس) 2022، أعلنت (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (Aipac) عن قائمة المستفيدين من دعمها المالي لانتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 التشريعية النصفية في الولايات المتحدة، كان في عدادهم 40 مرشحاً جمهورياً ينتمون إلى مواقع اليمين المتطرف، الذي لا يعترف بشرعية انتخاب جو بايدن للرئاسة ولا ينتقد هجوم أنصار دونالد ترامب على الكابيتول في 6 كانون الثاني 2020، الأمر الذي أثار غضباً في البلاد، بما في ذلك داخل الجالية اليهودية. وعلّق الدبلوماسي السابق المعروف، ريتشارد هاس، رئيس (مجلس العلاقات الخارجية)، وهو مؤسسة بحثية دولية مرموقة، على هذا الدعم قائلاً: (إن دعم إيباك للسياسيين الذين يعملون على تقويض الديمقراطية يمثل إفلاساً أخلاقياً لهذا اللوبي)[4].

 

قلق مستمر في أوساط منظمات يهودية أخرى

خلافاً لمواقف هذه المنظمات اليهودية الرئيسية الأربع، أعلنت منظمتان يهوديتان، وهما (الاتحاد من أجل الإصلاح اليهودي) و(رابطة مكافحة التشهير)، أن القلق لا يزال يساورهما كما كان في السابق إزاء احتمال مشاركة إيتمار بن غفير في حكومة قادمة يشكّلها بنيامين نتنياهو. فقد قال الحاخام ريك جاكوبس ، رئيس (الاتحاد من أجل الإصلاح اليهودي): (إن فشل الجالية اليهودية الأمريكية في نصب جدار قوي من المعارضة لمشاركة حزب على أساس تعاليم الحاخام العنصري الراحل مئير كهانا في حكومة إسرائيلية سيكون له عواقب بعيدة المدى ليس فقط على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ولكن أيضاً على علاقات إسرائيل مع اليهود الأمريكيين)، وتساءل : (في عيون أولئك الذين يتماهون مع إسرائيل بسبب القيم الديمقراطية المشتركة، والقيم اليهودية المشتركة، ما هي القيم اليهودية أو الديمقراطية التي لا تنطوي على العنصرية وسياسة الكراهية التي ينتهجها (بن غفير)؟)، مضيفاً: (أذكّر الجميع أنه عندما تحدثنا جميعاً بصوت عالٍ وبوضوح في سنة 2019، نأى رئيس الوزراء بنفسه عن هذه القوى المتطرفة المختلفة في السياسة الإسرائيلية، وفي غياب ذلك اليوم، لا أرى أي خطوط حمراء). أما كارول نورييل، مديرة مكتب (رابطة مكافحة التشهير) في إسرائيل، فقد قدّرت قبل أيام (أن جلب بن غفير إلى الحكومة سيقوض الدعم لإسرائيل)، وأعلنت في بيان أرسل عبر البريد الإلكتروني: (لطالما شعرت رابطة مكافحة التشهير بالقلق إزاء انتشار الإيديولوجيات المتطرفة وتلك المستوحاة من كاهانا في المجتمع الإسرائيلي؛ وفي حين أننا لا نتدخل في السياسة الانتخابية لإسرائيل، فإننا نشعر بالقلق من التقارير التي تفيد بأن الأفراد الذين يتبنون مثل هذه الآراء قد وعدوا من قبل القادة السياسيين الإسرائيليين بدور في حكومة ائتلافية مستقبلية؛ وبصفتنا منظمة ملتزمة بشدة بأمن ورفاهية إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، نعتقد أن مثل هذا التطور سيكون ضاراً بالمبادئ المؤسسة لإسرائيل وسمعتها بين أشد مؤيديها)[5].

 

سيناتوران من الحزب الديمقراطي يحذّران بنيامين نتنياهو

أفاد موقع أكسيوس (Axios) الأمريكي الإخباري أنه خلال اجتماع جرى في 5 أيلول (سبتمبر) الماضي بين رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ روبرت مينينديز، الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، عبّر السناتور عن نيوجيرسي عن (مخاوف جدية) بشأن حكومة ائتلافية يشكّلها نتنياهو مع (أفراد متطرفين مثل [إيتامار] بن غفير)، مقدّراً (أن تشكيل مثل هذا الائتلاف يمكن أن يؤدي بصورة خطيرة إلى تآكل الدعم من الحزبين في واشنطن، الذي كان أحد أعمدة العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل)، وهو ما أزعج نتنياهو الذي صرّح في مؤتمر صحفي عقده في تل أبيب في الأسبوع الأول من شهر تشرين الأول الجاري: (كنت أتوقع منهم أن يحذرونا من حكومة تعتمد على الإخوان المسلمين الذين يدعمون الإرهاب وأحمد الطيبي وأيمن عودة الذي قال إن [حسن] نصر الله بطل، بعد ذلك لا عجب أن يائير لبيد هرع ليبيعه الغاز من مواطني إسرائيل). وقد رفض متحدث باسم السناتور روبرت مينينديز التعليق على كلام بنيامين نتنياهو، كما لم ترد وزارة الخارجية الأمريكية على سؤال بهذا الخصوص من وسائل الإعلام.

بينما اتهم إيتمار بن غفير رئيس وزراء الحكومة الانتقالية يائير لبيد بالوقوف وراء التحريض الذي استهدفه، وبجرّ روبرت مينينديز إلى التدخل في العملية الانتخابية الإسرائيلية، وأصدر بياناً باللغة الإنكليزية يوم الخميس في 6 تشرين الأول الجاري، قال فيه: (أشعر بقلق عميق إزاء التقارير التي تصلني والتي تفيد بأن السناتور مينينديز قد أدلى بتعليقات غير لائقة، وأدى إلى تضليل ملايين الإسرائيليين الذين سيصوتون لي قريباً ولصالح حكومة يمين الوسط؛ من المعروف أن هذا السناتور صديق حقيقي لإسرائيل ومدافع عن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، والأهم من ذلك أنه رجل نزيه؛ كل هذا يقودني إلى الاعتقاد بأنه ما كان ليدلي بالتعليقات المنسوبة إليه لو تم إبلاغه بصورة صحيحة بالمناصب التي أشغلها أو التي لا أشغلها)، وأضاف: (يسعى أعداء إسرائيل القوية إلى إلحاق الأذى بي، ويصفونني وحزبي بالعنصرية، لكننا مناهضون للعنصرية: نحارب معاداة السامية العنصرية التي تتزايد داخل وطننا، ونعتقد أن إسرائيل يجب أن تتخلص من المنظمات الإرهابية مثل حماس والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى مثلما هزمت الولايات المتحدة تنظيم القاعدة).

أما السناتور الديمقراطي الثاني المؤيد لإسرائيل، الذي حذر من مدى تضرر العلاقات مع الحزب الديمقراطي الأمريكي في حال ضم إيتمار بن غفير إلى حكومة إسرائيلية قادمة، فهو براد شيرمان من كاليفورنيا الذي كتب: (بينما تتجه إسرائيل لإجراء انتخابات جديدة في تشرين الثاني (نوفمبر)، أحثّ القادة السياسيين الإسرائيليين من جميع الأطياف السياسية على نبذ المتطرفين مثل إيتمار بن غفير الذي تتعارض آراؤه الفاضحة مع المبادئ الأساسية لدولة يهودية وديمقراطية)، وأضاف (إن هؤلاء المتطرفين يقوضون مصالح إسرائيل والعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، التي عملت أنا وزملائي على تقويتها)[6].

 

حاخامات يطالبون بقطع تمويل اليهود الأمريكيين عن المتطرفين الإسرائيليين

وكان قد أفيد، في 11 نيسان (أبريل) 2022، أن 19 حاخاماً أمريكياً من ذوي النفوذ والشهرة في نيويورك دعوا المنظمات اليهودية الأمريكية إلى وقف تمويل مجموعة (ليهافا) العنصرية المتطرفة المرتبطة بعضو الكنيست إيتمار بن غفير، ونشروا رسالة وجههوها إلى مؤسسة خيرية هي (صندوق الجالية اليهودية) (JCF) يتهمونها فيها (بتأجيج العنف بصورة غير مباشرة من خلال تبرعاتها لليهافا وغيرها من الجماعات الإسرائيلية العنيفة). وأضافت الرسالة: (إن قسماً من الأموال يذهب إلى ليهافا وهي مجموعة معروفة بمسيراتها الملتهبة في الأحياء الفلسطينية في القدس والتي يشارك فيها مشاركون يهتفون (الموت للعرب)). وفضلاً عن (ليهافا)، يرتبط الصندوق، كما تابعت الرسالة، بمجموعات مثل (Honenu) التي توفر أموالاً لليهود الإسرائيليين المدانين بأعمال عنف ضد الفلسطينيين، وبمجموعة (Im Tirtzu) التي وزعت مقاطع فيديو تصف زعماء أربع منظمات إسرائيلية كبرى للدفاع عن حقوق الإنسان بأنهم (عملاء أجانب)، وهو ما استتبع توجيه تهديدات بالموت لهم، كما يقدم الصندوق أموالاً لمدرسة دينية في الضفة الغربية تدعي (Od Yosef Chai) أدين حاخامها العام الماضي من جانب محكمة إسرائيلية بالتحريض على العنف ضد الفلسطينيين). وقال أحد هؤلاء الحاخامات، وهو جيل جاكوبس، لوكالة تلغراف اليهودية: (إن إيتمار بن غفير قد صعّد من استفزازاته، ونحن نخشى من أن تساهم الأموال المدفوعة إلى ليهافا (وإلى مجموعات أخرى) في التحريض على العنف. ونحن نعتقد أنه يتوجب على المانحين الذين يمنحون تبرعاتهم إلى صندوق الجالية اليهودية أن يدركوا أنهم يساعدون في تمويل متطرفين عنيفين)[7].

 

من موقع (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

 

 

[1] https://www.middleeasteye.net/fr/decryptages/israel-supremaciste-juif-ben-gvir-likoud-knesset-extreme-droite;

https://fr.timesofisrael.com/le-depute-extremiste-ben-gvir-sort-son-arme-lors-dun-affrontement-a-sheikh-jarrah/

[2] https://www.lexpress.fr/actualite/monde/proche-moyen-orient/israel-la-percee-d-itamar-ben-gvir-visage-terrifiant-de-l-extreme-droite_2180047.html

[3] https://fr.timesofisrael.com/mutisme-etonnant-des-organisations-juives-americaines-concernant-ben-gvir/

[4] https://orientxxi.info/magazine/peter-beinart-un-quart-des-juifs-americains-considere-israel-comme-un-etat-d,5512

 

[5] https://fr.timesofisrael.com/mutisme-etonnant-des-organisations-juives-americaines-concernant-ben-gvir/

[6] https://fr.timesofisrael.com/un-2e-elu-us-pro-israelien-exhorte-jerusalem-a-exclure-ben-gvir-avant-les-elections;

Après avoir affirmé qu’un éventuel nouveau gouvernement israélien nuirait aux relations avec les États-Unis, le sénateur Menendez reste silencieux

[7] https://fr.timesofisrael.com/des-rabbins-demandent-larret-du-financement-us-aux-extremistes-israeliens;

https://french.wafa.ps/Pages/Details/200719

 

العدد 1190 - 11/03/2026