حقيقة المعركة في أوكرانيا
د. صياح فرحان عزام:
المشهد الدولي يبدو على النحو التالي في هذه الفترة، فالغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يكابر ويطلق خطابات الوعد والوعيد، وتمعن وسائل إعلامه في الاستخفاف بالخصوم الدوليين روسيا والصين وإيران عبر الدس والتحريض وقلب الحقائق في معظم الأحيان، واعتماد أساليب جرى تجريبها في السابق وفشلت. أما روسيا التي تلقت الإهانات على مدى ثلاثين عاماً على إثر انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وانفراد الولايات المتحدة بالتحكم بالعالم، فيعمل رئيسها فلاديمير بوتين ليل نهار وخاصة في خضم الدعم الأمريكي والأوربي لأوكرانيا عسكرياً وسياسياً، يعمل لمجابهة العقوبات الغربية الظالمة المفروضة على بلاده لإضعافها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
فمن أقصى الشرق الروسي وبعد حضوره مناورة (فوستوك 2022) الكبرى، أكد من منصة المنتدى الاقتصادي في مدينة فلاديفوستوك أن بلاده ربحت ولم تخسر من تدخلها في أوكرانيا، وهدد بمقاطعة شاملة ووقف شحنات النفط والغاز والفحم إلى الدول الأوربية التي تفكر في تحديد سقف لأسعار النفط والغاز الروسيين، كما توعد بإلغاء العقود المبرمة، إلا أنه ترك الباب موارباً بإعلانه الاستعداد لتشغيل خط أنابيب (نوردستريم 2) لنقل الغاز إلى أوربا فوراً إذا سمح الاتحاد الأوربي بذلك، وأعاد توربينات الضخ إلى موسكو.
ومن الجمل اللافتة التي قالها بوتين في فلاديفوستوك: (إن روسيا تراهن على آسيا)، وتحدث عن تقارب كبير مع المارد الآسيوي الآخر الصين، التي سيلتقي رئيسها شي جين بينغ قريباً في أوزبكستان.
ومن المتوقع أن يوجه اللقاء بين الزعيمين الكبيرين ضمن قمة مجموعة شنغهاي رسائل عديدة إلى الغرب الذي لا يخفي انزعاجه وضيقه من أي تقارب بين موسكو وبكين، خاصة في ظل توسع الأزمة الاقتصادية والزيادات المرعبة في الأسعار بالنسبة للطاقة والمواد الغذائية.
ومثلما أكد الرئيس بوتين أن بلاده ربحت من تداعيات الأزمة في أوكرانيا، فإن الصين أيضاً تعتبر من الرابحين، بينما لم تجن الدول الغربية إلا الخسائر، ما جعل العديد من زعماء العالم يعتبرون أن أوربا (تحصد ما زرعته) بسبب عقوباتها على روسيا، وإنها مع الولايات المتحدة ترسل أسلحة (خردة) إلى أوكرانيا ثم تنتظر تحقيق نصر على روسيا!
وتحدث الرئيس الروسي بوتين عن الغرب موضحاً أنه بممارساته وسياساته اللامسؤولة يحاول مقاومة مجرى التاريخ وإيقافه، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية المتحالفة معها ضخت نحو ستين مليار دولار دعماً لنظام زيلينسكي في أوكرانيا، في محاولة فاشلة لهزيمة روسيا وإحباط أي تغيير للهيمنة الغربية على النظام الدولي، ومنع أي طرف دولي من الصعود، وبشكل أوضح جعل روسيا تنكفئ على نفسها وداخل حدودها، وكذلك التضييق على الصين والحد من صعودها الاقتصادي السياسي.
ومما يجدر ذكره أن الرئيس الروسي يدافع بشكل شرس عن حقوق بلاده وسيادتها وأمنها القومي، ولا يمنح الغرب أية فرصة لالتقاط الأنفاس في إطار حربه على روسيا، كما يتضح يوماً بعد يوم للولايات المتحدة وحلفائها أن العقوبات التي راهنوا عليها لإضعاف روسيا لم تنجح بل ارتدّت عليهم.
باختصار، يجمع العديد من المحللين والخبراء السياسيين والعسكريين على أن المعركة التي افتعلها الغرب في أوكرانيا ليست معركة بين شرق وغرب، وإنما في حقيقتها معركة بين حقبة شارفت على الانتهاء وأخرى تتشكل بين دول ترفض المساس بأحادية القطبية ودول تتطلع إلى تشكيل عالم متعدد الأقطاب.