تغيير في العقيدة العسكرية البحرية لروسيا

د. صياح فرحان عزام:

وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أواخر شهر تموز من هذا العام على مرسومين مهمين حول إقرار العقيدة البحرية الروسية، وميثاق الأسطول العسكري الروسي. ومما يلفت النظر أن التوقيع عليهما جاء في ظروف تعيش فيها العلاقات الروسية – الأمريكية أسوأ حالاتها منذ انتهاء الحرب الباردة مع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

وقد أكدت مجموعة من الباحثين العسكريين المختصين أن النقاط البارزة التي حملها هذا التغيير في العقيدة الروسية البحرية، تشير إلى مدى البون الشاسع الذي بات يفصل بين موسكو والغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة.

من المعروف أنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وانفراط عقد حلف وارسو بعد عام 1991، تبدلت العلاقات بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) وروسيا، من حالة (المجابهة والتحدي) إلى نوع من (الشراكة)، ولاسيما بعد انضمام روسيا في عام 1994 إلى برنامج الشراكة من أجل السلام، وتوقيع حلف الناتو وروسيا منذ ذلك الحين على عدة اتفاقيات مهمة فيما يخص التعاون بين الطرفين.

لكن ما يمكن تسميته بـ (شهر العسل) بين الطرفين لم يدم طويلاً، والسبب في ذلك أن حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة حنث بوعوده التي قدمها لروسيا (أو بالأحرى غدر بروسيا) من خلال إقدامه على التمدد شرقاً، بحيث اقتربت حدود الحلف كثيراً من حدود الاتحاد الروسي في عام 1999 نتيجة انضمام (التشيك والمجر وبولندا) وبعدها بخمسة أعوام تبعتها بعض الجمهوريات السوفييتية السباقة (ليتوانيا، إستونيا، لاتفيا) إضافة إلى سلوفينيا وسلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا.

ورغم هذا التمدد الأطلسي العدواني وغير الشرعي والمخالف لكل التعهدات الغربية والأمريكية والأطلسية، حافظت روسيا على رغبتها في الشراكة مع الناتو، ففي عام 2010 اتفق قادة الحلف بقمة لشبونة على وثيقة رئيسية تحدد رؤية الحلف، اعتبرت روسيا بموجبها (شريكاً استراتيجياً) كخطوة تهدف إلى بناء شراكة طويلة الأمد، إلا أن التمدد الأطلسي أو مخططات الغرب العدائية تجاه روسيا تواصلت ولم تتوقف، ولاسيما مع مساعي أوكرانيا للانضمام إلى الناتو، الأمر الذي يعتبر خطاً أحمر لا يمكن لروسيا تجاهله، وكانت العلاقات بين روسيا ودول حلف الناتو قد وصلت إلى طريق شبه مسدود في عام 2014 عندما استعادت موسكو جزيرة القرم، فعلى أثر ذلك قررت دول الحلف تعليق التعاون المدني والعسكري مع روسيا، ما دفع بعلاقات الطرفين نحو الهاوية مع بدء العملية العسكرية الروسية الدفاعية في أوكرانيا رداً على توسيع الناتو وقيام نظام زيلينسي العميل لأمريكا والدول الأوربية باضطهاد الأوكرانيين الذين يتكلمون باللغة الروسية، وأصواتهم روسية أيضاً.

هذه التطورات الكبيرة الناجمة عن الممارسات الغربية العدوانية ضد روسيا أجبرت الرئيس بوتين والقيادة الروسية على إعادة التفكير في تغيير العقيدة البحرية العسكرية لروسيا، خاصة بعد أن اعتبر (الناتو) حسب زعمه أن روسيا تمثل (التهديد الأهم والمباشر لأمن الحلفاء وللسلام والاستقرار في المنطقة الأوربية الأطلسية) ما يعني تغييرات كبيرة في قواعد اللعبة بين الغرب وموسكو.

والآن، ماذا تتضمن العقيدة العسكرية البحرية الجديدة لروسيا؟ بإيجاز تتضمن ما يلي:

– اعتبار نهج الولايات المتحدة نحو الهيمنة على المحيطات العالمية بمثابة تحد رئيسي وخطير للأمن القومي الروسي.

– ضرورة السعي لتعزيز القدرات البحرية الروسية، إذا إن عدم وجود عدد كاف من القواعد ونقاط التمركز خارج حدود روسيا والمخصصة لتموين سفن القوات البحرية الروسية يعد نقطة خطرة، إضافة للتأكيد على أن مضائق (الكوريل والبلطيق والبحر الأسود والجزء الشرقي من البحر المتوسط) مهمة لضمان الأمن القومي الروسي.

– العمل على تطوير مرافق الإنتاج لبناء سفن حديثة حاملة للطائرات للقوات البحرية.

باختصار، يمكن القول إن زمن الانفراد الأمريكي بالهيمنة سيتقلص كثيراً، وهو في طريقه إلى الانتهاء، وأن ما بعد الأزمة الأوكرانية لن يكون كما كان قبلها.

 

العدد 1194 - 15/04/2026