لماذا هذا التحرّش الأمريكي بالصين؟

د. صياح فرحان عزام:

في عام 1972 زار الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون الصين الشعبية، وقد فتحت تلك الزيارة صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، بعد أن كان وزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر قد قام بزيارة إلى بكين، بعدما مهدت للزيارتين دبلوماسية البينغ بونغ، إثر لقاء رياضي بين لاعبين صيني وأمريكي خلال بطولة العالم لكرة الطاولة في اليابان عام 1971.

في لقاء نيكسون مع الزعيم الصيني ماوتسي تونغ تم الاعتراف بالصين الشعبية التي استعادت مقعدها مما كان يسمى حكومة الصين الوطنية (تايوان) كما تم تبادل العلاقات الدبلوماسية بين بكين وواشنطن على أساس أن (الصين واحدة) وأن (تايوان جزء لا يتجزأ من الصين).

لكن الولايات المتحدة ظلت تقيم علاقات مع تايوان اقتصادية وأمنية بشكل غير رسمي، الأمر الذي اعتبرته بكين إخلالاً بالاتفاقات، وهي على حق في ذلك لأن الموقف من تايوان هو القاعدة الأساسية والدبلوماسية بالنسبة للصين، ومع ذلك شهدت العلاقات الاقتصادية المتنامية على قاعدة تبادل المصالح في إطار مبدأ المنافسة وليس على قاعدة العداء، إلى أن بدأت إدارة أوباما تعدل سياساتها تجاه المواجهة، خاصة بعد أن لمست أن الصين تحقق تقدماً هائلاً في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا، وتقتحم الأسواق في مختلف الأسواق التي كانت تعتبرها أمريكا ساحة لها، وبعد أن أطلقت الصين مشروعها التنموي العالمي (حزام واحد.. طريق واحد) عام 2017، فبدأ الأمريكيون بتغيير استراتيجياتهم، ونقل ثقلهم العسكري إلى منطقة المحيط الهادي بزعم مواجهة ما أسموه التمدد الصيني، ثم بدأت بإقامة أحلاف عسكرية لمحاصرة بكين، فأعلنت مؤخراً من خلال قيادتها لحلف الناتو أن الصين (تشكل تحدياً لمصالح دول الحلف وأمنها)، في حين حاول الرئيس بايدن خلال لقاءاته في شهر حزيران الماضي مع قادة أوربا وحلف الأطلسي إقناعهم بأن مقاومة روسيا ومواجهة الصين هدفان متكاملان لا يتعارضان، ثم جدد استفزازه بموقف أعلنه خلال زيارته لليابان مؤخراً، بأن الولايات المتحدة سوف تدافع عن تايوان إذا تعرضت لهجوم صيني، وذلك في موقف علني يعبر عن التخلي الأمريكي عن سياسة (الغموض الاستراتيجي) التي انتهجتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه تايوان.

لا شك في أن هذه المواقف الأمريكية، مواقف استفزازية مئة بالمئة، وزادت من توتر العلاقات مع بكين التي اعتبرتها- وهي على حق في ذلك- أنها تشكل استفزازاً مقصوداً، مؤكدة في الوقت ذاته أنها لن تتراجع عن تصميمها على استعادة تايوان إلى حضن الوطن الأم.

ثم جاء قرار رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي بزيارتها لتايوان في شهر آب 2022 ليصبّ الزيت على نار الأزمة القائمة والتوتر الحالي في العلاقات بين البلدين، فقد حذرت الصين من أن واشنطن ستتحمل كل العواقب المترتبة على هذه الزيارة، علماً بأن زيارة سابقة لتايوان من قبل هينجر بينشن رئيس مجلس النواب الأمريكي السابق.

إذاً، من خلال ما تقدم يبدو أن صنّاع القرار السياسي والعسكري والأمني في الولايات المتحدة الأمريكية اتخذوا قراراً بالتخلي عن كل الالتزامات المبرمة مع الصين، والمضي في استفزازها بأشكال مختلفة ومستمرة، من دون الأخذ بالحسبان خطورة هذا التوجه الاستفزازي، ومن دون الأخذ بنصيحة مهندس العلاقات الأمريكية الصينية هنري كيسنجر الذي كان قد نصح الولايات المتحدة بضرورة وأهمية التواصل مع الصين، وإيجاد الطريق اللازمة للتعاون معها وإبعادها عن روسيا والاتحاد السوفييتي السابق، ومحذراً من أن العالم سينزلق نحو كارثة مخيفة مثل الحرب العالمية إذا استمر هذا التصعيد.

 

العدد 1194 - 15/04/2026