ضيف خفيف… ضيف جميل

حسين خليفة:

اقترن الحديث عن الضيف عبر التاريخ، وممّا وصلنا من الموروث الشعري والقصصي، بالحديث عن ثنائية الكرم والبخل.

فالكرم كان من دواعي الفخر والاعتزاز لدى الأقوام القديمة ومنهم العرب، ولأن الشعر ديوان العرب فقد حفل بالتباهي بالكرم سواء في قصائد الفخر أو في قصائد المديح.

فحاتم الطائي الذي تُروى عنه الكثير من الأشعار والقصص، وجابر عثرات الكرام وغيرهم من الحالات التي تشهد على وجود حالات (متطرفة) من الكرم ووفادة الضيف، لدرجة إطعامه كل ما في البيت من مؤونة وترك العائلة والأهل بلا طعام، وذبح النوق والجمال والخرفان للضيوف بأعداد هائلة.

وممّا يُروى عن الطائي هذان البيتان:

أضاحكُ ضيفي قبل إنزال رَحْله                 ويُخصِبُ عندي والمحلّ جديبُ

وما الخِصب للأضياف أن يَكثُر القِرى         ولكنما وجه الكريم خصيبُ

فمجرد قدوم الضيف هو بركة يبعث الخصب والخير، وهو يستقبله بالبشاشة والود قبل أن ينزل عن راحلته، وهو معادل في وجه من وجوهه للمثل العامي المعروف: (لاقيني ولا تطعميني!).

ومقابل هذه الحالات كانت الصورة المعاكسة لبخلاء العصور الماضية أهم مواضيع التندّر والسخرية، فالأخطل الكبير يهجو جريراً بنعت قومه بالبخل في صورة ساخرة، بل في صور تجمع أقصى درجات السخرية مع أقصى درجات الهجاء في بيت واحد من الشعر، فبخلهم لا يتأتى فقط من خشيتهم من الضيوف حتى يطفئوا نيرانهم (وكانت تبقى مشتعلة عند البدو في دلالة على الكرم والاستعداد لاستقبال الضيوف) لمجرّد سماعهم نباح الكلب لمقدم الضيوف، بل أيضاً من أنهم يضنّون بالماء، فيعمدون إلى دعوة أمهم للتبول على النار لإطفائها، وإن نارهم شحيحة لدرجة أن بول عجوز يكفي لإطفائها، وأنهم لا خدم لهم حتى يُكلّفوا أمهم بهذه المهمة مع ما فيها من امتهان للأم:

قومٌ إذا استنبح الأضيافُ كلبَهم                    قالوا لأمهم بولي على النار

وألّف كاتبٌ ومفكر كبير مثل الجاحظ كتاباً ضخماً من عيون الأدب الساخر عن نوادر البخلاء في عصره، وغيره الكثير.

وعلى الضفّة الأخرى من العالم القديم كتب موليير مسرحية البخيل وأصبحت أشهر أعماله، وما زالت تُقدم على مسارح العالم وتُنسج عليها أفلام ومسلسلات.

كل هذا يدل على حب الناس للضيف والتباهي بإكرام وفادته قبل الصفات الأخرى كالشجاعة والمروءة والصدق وغيرها، وبغضهم للبخل، والصفتان متعلقتان بالدرجة الأولى بالتعامل مع الضيف سواء كان قريباً أو غريباً.

وبقيت هذه القيمة (الاحتفاء بالضيف وتكريمه) من القيم الإيجابية والمرغوبة لدى الناس حتى العصور الحديثة، فيكتب ميخائيل نعيمة: الدار التي لا تعرف الضيف مقبرة لساكنيها.

وفي القرآن الكريم (وخلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، وهل تأتي المعرفة إلاّ من الاختلاط والتزاور؟!

في مجتمعاتنا المعاصرة ومع ازدياد تكاليف المعيشة، وضيق المنازل للعامة، أصبح قدوم الضيف يُشكّل عبئاً مادياً ومعنوياً على المضيف، لكن مع ذلك بقيت الشيمة التي يشير بها الناس إلى الرجل المضياف مدعاة فخر وسرور.

وربما بسبب ظروف العصر اقتصرت الاستضافة في المدن على الأقارب والأصدقاء، فيما توسّعت الفنادق والمنتجعات والمطاعم لتأوي وتطعم الغرباء عن المدينة، بينما بقيت البيوت مفتوحة في الأرياف للقريب والغريب إلى حدٍّ ما.

لذلك فإنّ من آداب الضيف في المدن تحديداً أن يُحسّ الضيف بحالة المضيف خصوصاً إذا كان من أقاربه والكلفة مرفوعة بينهم، فلا يتجاهل العبء الذي يُشكّله خصوصاً إذا لم يكن وحده بل معه مرافقون من العائلة أو الأصدقاء، وأن يحاول المساهمة في حمل هذا العبء، بأن يجلب معه أشياء مهما بدت بسيطة من مأكل ومشرب.

وقد جرت العادة في عصرنا أن يسهر مجموعة من الأصدقاء أو الأقارب في منزل أحدهم، لكنهم لا يتركون أمر تأمين لوازم السهرة على المضيف بل يتقاسمونها وكأنهم خارجون في نزهة، وهي من العادات الجيدة والحميدة والتي يجب تعزيزها، فهي تحقق اللقاء والتواصل والتعارف دون أن تُحمِّل المضيف ما لا طاقة له به ممّا يجعله يندم على الاستضافة ويقسم أن لا يُعيدها.

ثم نأتي إلى الضيوف القادمين من خارج المدينة، ففي هذه الحالة لا بدّ من تأمين منامة للضيف ومرافقيه، وفي ظروف ضيق المنازل، ذلك أنها تكاد لا تكفي لأبناء الأسرة نفسها، فيضطّر المضيف إلى تغيير نظام المنزل ليؤمّن غرفة أو أكثر للضيوف، وهو ما يُثقل على أهل البيت وإن كانوا سعداء بالضيوف، ممّا يوجب على الضيف أن يشعر بهذه الحالات، فيحاول حجز فندق مثلاً ليعود إليه فيستحم وينام ويقرأ كما يشاء دون أن يُشكّل ثقلاً على من يزورهم.
طبعاً المحبة بين الأقارب والأصدقاء تجعلك متقبّلاً وسعيداً لقدومهم، ومُستعدّاً لتحمّل الأعباء المادية والمعنوية لاستضافتهم بكل سرور، لكن يبقى عليهم تقدير الحالة، والتصرّف بأصول اللياقة، فلا يُطيلون في المكوث وإن أصرّ المضيف على ذلك، ولا يتدخلون في شؤون البيت الذي يستضيفهم، ويحاولون إن طالت إقامتهم إيجاد مكان آخر يُخفّف عن مضيفهم ولو قليلاً حتى لا تصحُّ عليهم تسمية (الضيف الثقيل) الذي يتمنى الجميع عدم قدومه ومغادرته سريعاً، وهو ما يرد ذكره ووصفه كثيراً في الأدب والحكايات، فيقول البهاء زهير (من شعراء العصر الأيوبي) عن أحد هؤلاء:

وعائدٍ هو سقمٌ لكل جسم صحيح
لا بالإشارة يدري ولا الكلام الصريح
وليس يخرج حتى تكاد تخرج روحي!

وهناك مثل روسي يقول: يكون الضيف ذهباً، فيصبح فضة، ثم حديداً.

فلنحاول أن نبقى ذهباً ما أمكن، وألا نُثقل فنصير فضّة أو حديداً!

العدد 1199 - 20/05/2026