اليسار بدأ العودة بقوة إلى أمريكا الجنوبية
د. صياح فرحان عزام:
بدأت تظهر بوضوح ملامح فقدان الولايات المتحدة لنفوذها ودورها، وانحدار سطوتها وهيمنتها في حديقتها الخلفية (أمريكا اللاتينية). فقد لوحظ أن اليسار بدأ يعود إلى دول القارة بقوة، على أنقاض أنظمة مدعومة أمريكياً نصبتها واشنطن خلال السنوات القليلة الماضية لتكون إحدى أدواتها وحارسة لمصالحها.
– ففي تشيلي، أدى غربيل بوريك (35 عاماً) اليمين الدستورية في 11 آذار رئيساً، ليمثل وعداً جديداً لليسار خلفاً لمرشح اليمين خوسيه أنطونيو كبيرا. وقد ذكّر في خطابه إلى الأمة بالرئيس الراحل سلفادور الليندي، الشخصية التاريخية التشيلية التي أطاح بها انقلاب عسكري قاده الجنرال بينوشيه بدعم من المخابرات الأمريكية عام 1973، وقال في خطابه: (كما توقع سلفادور الليندي، منذ خمسين عاماً، نحن مرة أخرى نفتح طرقاً رائعة سيمر فيها الرجال والنساء الأحرار لبناء مجتمع أفضل- عاشت تشيلي!).
جدير الذكر أن بوريك شكّل حكومة من 24 وزيراً منهم 14 من النساء، وظهر بين الآلاف من مؤيديه من دون ربطة عنق وسط هتافات (الصديق بوريك.. الشعب معك!).
– وفي بوليفيا.. عاد اليسار بقوة من خلال صناديق الاقتراع، بفوز حليف موراليس ورفيقه القديم لويس آرسي، ليعود موراليس بعدها إلى بلاده من المكسيك معزّزاً مكرماً، بعد انقلاب نفذه الجيش ضده بالتعاون مع اليمين عام 2019 وبإشراف واشنطن.
– في المكسيك على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة كان قد جرى انتخاب الرئيس اليساري أندرس مانويل لوبيز أوبرادور، خلفاً لليميني إنريكي بينيانييتو، وقد تعهد بالتخلص من (الإرث الكارثي) لعقود من السنين حكمت فيها البلاد حكوماتٌ رأسمالية موالية لواشنطن.
– وفي البيرو جرى انتخاب اليساري بيدرو كاستيليو رئيساً، وهو مدرس سابق ينتمي إلى عائلة فلاحية فقيرة، خلفاً لمنافسته اليمينية كيكوفو جيموري ممثلة طبقة النخبة في البلاد.
– وفي الأرجنتين عاد اليسار أيضاً ممثلاً بالرئيس ألبرتو فرناديز ونائبته السابقة كريستنيادي كيرشنر، بعد أن هزما المرشح اليميني موريسيو ماكري.
وبذلك ينضم هؤلاء الرؤساء إلى حلفاء لهم في كوبا برئاسة ميغيل دياز.
– وفي فنزويلا بقيادة نيكولاس مادورو، وفي نيكارغوا برئاسة دانييل أورتيغا، مع احتمال كبير لعودة الرئيس البرازيلي السابق لولا دي سيلفا، الذي استعاد حقوقه السياسية في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في هذا العام الجاري، بعد أن كان قد حُرم من هذه الحقوق.
وهكذا يتضح مما تقدم أن موجة يسارية واشتراكية جديدة تجتاح أمريكا الجنوبية من جديد، رغم استمرار التآمر الأمريكي على دولها عبر إيجاد أنظمة عميلة لها في القارة من خلال قيام المخابرات الأمريكية بتنفيذ انقلابات عسكرية دموية في دول القارة، وتنصيب (إمعات) تابعين لواشنطن يسهلون نهب خيرات شعوبها.
وفي الوقت نفسه، وإضافة إلى هذه الموجة اليسارية والاشتراكية التي تعيشها دول أمريكا الجنوبية، والتي تشكل قلقاً كبيراً للولايات المتحدة التي تعتبر هذه القارة مزرعة خلفية له، إضافة إلى ذلك، تشهد الولايات المتحدة الأمريكية حالة من النكوص والتراجع في نفوذها على مستوى العالم، فتتدنى الثقة بها من قبل حلفائها وأعوانها في مجال المراهنة على حمايتها من قبلها، خاصة في ظل الانسحاب الأمريكي المذلّ من أفغانستان، وفي ظل فشل كل محاولاتها للحد من صعود كل من الاتحاد الروسي والصين الشعبية وإيران وغيرها من الدول.
الخلاصة.. إن الرياح تجري بما لا تشتهيه الولايات المتحدة الأمريكية على أكثر من صعيد وفي أكثر من مكان، وما جرى وسيجري في أمريكا الجنوبية من تحولات حاسمة سيكون له وقعه المؤثر.. فهل تُراجع إدارة بايدن ذلك كله؟! الأرجح لا!