من أرشيف نقابي قديم
بقلم النقابي نادر طويلة:
في عام 1969 تأسست نقابة عمال سد الفرات في محافظة الرقة، لأكبر تجمّع عمالي في القطر، فقد تجاوز عدد العاملين 12 ألف عامل، قدموا من جميع أنحاء القطر، جمعهم هدفٌ وطني واحد هو الرغبة في بناء أكبر صرح اقتصادي في سورية، بالتعاون مع الأصدقاء السوفييت، للنهوض بأعباء التنمية وإنجاز المشروعات الكبرى التي بدأت بها الدولة، والتي كان في مقدمتها مشروع سد الفرات، وتوسيع الخطوط الحديدية، وشبكات الطرق والبناء وغيرها، وكان تجسيداً للصداقة السورية السوفييتية هذا التجمعُ العمالي المؤلف من عمال ومهندسين وفنيين، تجمعهم روح طبقية تنتفي من خلالها كل الفوارق الطائفية والمذهبية، ويجمعهم هدف واحد هو النهوض اقتصادياً بهذا الوطن الذي يحبونه. عمل هؤلاء يداً بيد مع الأصدقاء السوفييت الذين أعطوا قوة المثل بتضحياتهم وتفانيهم بالعمل، فقد كان محدداً لإنجاز بناء السد عشر سنوات، وبفضل التعاون والتضحيات أنجز خلال تسع سنوات.
وكان للعمل النقابي دور هامّ في شحذ همم العمال بهذا الكم الهائل رغم صعوبة الظروف المناخية وتباعد أماكن السكن.. فقد بوشر ببناء مدينة الثورة (فيلات، وطابقية، واقتصادية) بأحيائها الثلاثة، وبني في مدينة الطبقة عدة مهاجع جمعت العمال العازبين، ولجأ بعض العاملين لاستئجار بيوت أو بناء بعض البيوت على أراض عشوائية، قام مكتب النقابة والعاملين على تأمين جرّ المياه والصرف الصحي بعمل شعبي حيث الثقة المتبادلة بين العمال والنقابة، وغالباً ما كانت النقابة تقوم بحل النزاعات الشخصية ما بين العاملين ودون اللجوء للجهات الأمنية والقضائية. النقابيون يعطون قوة المثل في الغيرة على الإنتاج وزيادته وتحسينه والعاملون يستجيبون، وأيضاً المهندسون والمدراء يبذلون قصارى جهدهم للمساعدة دون تعالي بكل تواضح واحترام.
كانت الرواتب في تلك الأثناء تتناسب مع الأسعار، والتعويضات كانت مجزية إلى حد ما، منها طبيعة العمل وعلاوة المنطقة، وأجور العمل الإضافي، وتوزيع الألبسة الوقائية والأحذية، وأيضاً الحصص المتضمنة سلات غذائية من المكتب المشترك. فالعمال يتبارون في تنفيذ أعمالهم وفق (النورم) المخصص لكل مهنة، ولا أبالغ إن قلت إن بعض العاملين كانوا يعملون أكثر من عشر ساعات بدل الثماني المطلوبة، يعني ساعتين إضافيتين دون مقابل، بل بدافع وطني ورغبة في تنفيذ ما يطلب إنجازه دون أن يؤجل إلى يوم آخر.
والطريف أن آليات الشركة كانت للعمل فقط وليست للنزهات ولا للخدمات الخاصة، إذ يقوم المديرون والمهندسون والإداريون والفنيون بحمل حقائبهم وقطع مسافة 4 كم ذهاباً وإياباً لشراء احتياجاتهم من الخضار واللحوم والفواكه من قرية الطبقة إلى مدينة الثورة، وهذا ما شجع العمال على أن يلتزموا بالمحافظة على الآليات وعدم الهدر بالمال العام، وأن يقدموا أفضل ما لديهم لتحسين الأحوال المعيشية، بالتعاون والتنسيق مع النقابة والمديرين والفنيين في مواقع عملهم، وقد قدمت الطبقة العاملة في سد الفرات العديد من الشهداء، لقد كان النقابيون يتسابقون لتأمين الخدمات لعمالهم، منها مثلاً في الأعياد تأمين وسائل نقل جماعية إلى جميع المحافظات لنقل العاملين وعائلاتهم ذهاباً وإياباً دون أن يكلفوا العاملين أي أجور للنقل والسفر، وأيضاً تنظيم رحلات صيفية إلى البحر ورأس البسيط المدينة والشاليهات العمالية وفق تنظيم للدور وتأمينهم، وأيضاً بالنسبة للدورات النقابية تأمين ما يلزم لإنجاحها، ونشاطات عدة منها دورات أمن صناعي (إطفاء، إسعاف، إلخ) ودورة جمعيات استهلاكية وتموينية.