(كي لا تغادر معي) كتاب (يساري) أصيل يصدر في تونس عن ذكريات الشاعر أيمن أبو الشعر
خاص – النور:
- تؤكد مواضيع الكتاب المتنوعة أن الصراع هو جوهر ديناميكية الحياة في (صيرورتها) اقتصادياً_ سياسياً وتفاعلاً إبداعياً.
- تناول الشاعر الإشكالية الأوكرانية قبل عدة أشهر من بدء العملية العسكرية الروسية، ما يمكن اعتباره استقراء علمياً ناضجاً للواقع وقرب انفجاره.
ما يميز أسلوب الشاعر أيمن أبو الشعر حتى في نثره هو طابع التشويق، واستخدام التراكم في المعطيات نحو انعطافات مفاجئة، وهذا الأسلوب هو أول ما سيلفت نظركم في هذا الكتاب السردي المميز من عدة جوانب، فهو يتنقل بين موضوعات قد تبدو للوهلة الأولى لا رابط بينها إطلاقاً عبر فصول أو ملفات مستقلة تماماً في تناولها، وحتى عناوينها، لكن القارئ اللبيب وخاصة القارئ اليساري سيدرك بعد حين أن أيمن ينطلق من جوهر الديالكتيك ليجعل من الصراع عموداً فقرياً خفيًّا لكل تلك المواضيع الشيقة التي تجعلك تنسى أنها تقارب ثلاثمئة صفحة، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن ناشر هذا الكتاب هو موقع الكتيبة الذي يضم خيرة الصحفيين والكتاب والفنانين التقدميين في تونس.
في الكتاب مقدمة واثنا عشر فصلاً مفعمين أو مكتنزين بالمعلومات النوعية والنادرة كونها تتحدث عن ذكريات وأحداث عاشها الشاعر بتفاعل إنسان يساري حتى خلايا دمه.
كتبت المقدمة الدكتورة الأديبة والإعلامية التونسية يسرى بلالي، التي كثفت تجربة الشاعر برهافة مازجة اللمحة البيوغرافية عن الشاعر ونشأته وبيئته الشعبية البسيطة الأصيلة بحديثها عن شعره وتجاربه ونضاله، وذلك منذ نشاطات الشباب الديمقراطي، ومن ثم تجربته الفنية الإبداعية في الأناشيد والأغاني الثورية، والطابع التروبادوري الذي تميز به، ثم شهرته المتصاعدة وكيف حاز على شعبية واسعة بين الطلبة التقدميين حتى في تونس من خلال قصائده عبر أشرطة التسجيل لأمسياته، وعن أولى مؤلفاته باسم مستعار(مايا الدمشقي)، ثم تحدثت عن تجربته في الاتحاد السوفييتي بنكهة العارف المتابع مروراً بنشاطاته وصداقاته مع كبار الأدباء العالميين كالشاعر رسول حمزاتوف والروائي جنكيز أيتماتوف، ولم تنس ككاتبة محترفة أن تتناول أهم مؤلفات أيمن أبو الشعر التي تقارب الثلاثين مؤلفاً بما في ذلك بعض الكتب التي صدرت له باللغة الروسية، وحتى منحه جائزة ماياكوفسكي والريشة الذهبية، واختياره رئيسا للجنة التحكيم الدولية لمنح جوائز تشيخوف…شخصياً اعتمدت على ما كتبته الدكتورة يسرى لكي أتفرغ أيضاً بشكل مكثف للحديث عن بعض النقاط التي لفتت نظري أكثر من غيرها رغم أهمية كل ما جاء في الكتاب.
يحتوي الكتاب عدا المقدمة على اثني عشر فصلاً محورها الصراع كأهم عنصر من كينونة الحياة، وكأنموذج نراه في الفصل الأول يتحدث عن الصراع بين الشعر العربي القديم والحديث (صراع الأجيال الثلاثة في الشعر العربي الحديث) مستنهضاً الصراع المرير بين العقاد (المجدد) وشوقي (التقليدي) وبعد بضع عشرات من السنين يتحدث عن الصراع مجدداً بين العقاد هذه المرة ممثلاً للتوجه (التقليدي) وأحمد عبد المعطي حجازي الذي يمثل (التجديد- شعر التفعيلة)، وبعد بضعة عشرات من السنين يظهر صراع بين حجازي كممثل (للمحافظة على التفعيلة) وممثلي ما يسمى بالشعر النثري أي يأخذ دور العقاد آنذاك… الجوهر هو أنه يقدم اللوحة بموضوعية ليؤكد أن الصراع هو جوهر الحياة والسيرورة التاريخية في طورها بالمعنى الشمولي.
يتنقل الشاعر أيمن أبو الشعر بين مواضيعه محافظاً على محور الصراع، فيتحدث عن تفاعله مع تجربة السودان وقسوة الصراع التناحري بين اليساريين والنميري الرجعي، ومدى تأثره بإعدام عبد الخالق محجوب، وصداقته مع الشاعرين محمد الفيتوري وجيلي عبد الرحمن، ومن ثم فصل عن تفاعله مع تجربة اليمن، وصداقته مع الرئيس عبد الفتاح إسماعيل الذي انتهى به الأمر ضحية لصراع من نوع آخر على السلطة، ويفرد فصلاً خاصاً لصداقاته مع محمود درويش ومعين بسيسو ولقاءاته مع القاسم وإميل حبيبي، ونتاجاتهم كتعبير عن الصراع كنضال في سبيل التحرر، فضلاً عن تناوله لسيرة مكثفة لحياته منذ الطفولة وتأثره بالأجواء الخرافية والصوفية في صراع خفي أيضا بين الفكر المتخلف والفكر التقدمي الذي بدأ يتبناه الشاعر منذ نعومة أظفاره. طل ذلك في سرد مدهش ومشوق حقاً تتخلله مقاطع شعرية وقصص قصيرة مميزة بكل معنى الكلمة (كمقتل القط عنتر) و(غالب الذي تحول كلباً) و(قصة أول قبلة في بيروت).. لن أتناول بالشرح طبعاً جميع الفصول المليئة بالتحليل الواعي واللقطات المفاجئة والأحداث المدهشة سياسياً وإبداعياً حتى لا أفسد عليكم متعة التشوق، في الحقيقة أنا أغبطه لأنه عاش وعايش كل ذلك، وأنا لا أشك أن كل فصل يمكن أن يتحول إلى رواية كاملة، على أني أتوقف في نهاية القسم الثاني قليلاً عند أمر بالغ الأهمية وهو مسألة الرؤى التي تظهر لدى المبدعين الذين يستشرفون المستقبل، طبعاً ليس في الأمر أي ظل ميتافيزيقي، ولكني أتحدث عن حالة نوعية حقاً لأنها تتأتى عادة بالدرجة الأولى للمبدعين العلمانيين لأنهم يقرؤون الواقع بشكل صحيح، فيرون احتمالات المستقبل بوضوح، من ذلك مثلاً وآلاف الناس شاهدة وتذكر ذلك جيداً أن أيمن أبو الشعر تحدث عن توقيع السادات على معاهدة كامب ديفيد قبل وقوعها بثلاث سنوات وذلك في أمسية جماهيرية غير عادية من خلال قصيدته الملحمية (الصدى) عن حرب تشرين، والتي تعتمد على تقنية ترداد الحروف في بعض الكلمات:
(القابع في صدر القاعة خوفو أو خفرع
يعمل في مكتب دفن الموتى
والأوراق جداول آلاف الجثث المشحونة للبيع
الصفقة كبرى لكنا ما كنا نتصور أو نتوقع وقع وقع وقع!!!).
وسأتجاوز فصولاً عديدة يتناول فيها مسببات انهيار الاتحاد السوفييتي بموضوعية مؤلمة أحياناً، في مرحلتي غورباتشوف ويلتسن عبر خيانة وغباء، ثم يتحدث تحديداً عن الأوضاع في أوكرانيا والانقلاب غير القانوني الذي حدث عام 2014 مفصلاً في بعض الأحداث الصغيرة الدامية التي توضح أن الصراع بات تناحرياً عبر (تكسير العظام)، ومبرزاً الدور الرهيب الذي لعبه الغرب في مساعدة وصول النازيين الجدد إلى السلطة في أوكرانيا، ويشير الكاتب إلى عملية حرق المتظاهرين المناهضين للنازيين الجدد في مدينة أوديسا، والدعم الإعلامي واللوجستي الهائل للمناوئين لسلطة يانوكوفيتش الشرعية، وحتى نزول نولاند مساعدة وزير الخارجية الأمريكية آنذاك خلافاً لكل الأعراف إلى الساحة لتوزع على المحتجين الفطائر والبسكويت، ولكي تؤكد أن أمريكا معهم خلافاً لكل الأعراف، ويفضح أيمن بذلك زيف ما يعلن عن أن قوات الأمن الأوكراني آنذاك تضرب المحتجين وتطلق النار عليهم، كاشفاً بالصور أن رجال الأمن كانوا يتعرضون أنفسهم إلى اضطهاد مزر لا يمكن تصوره، واقع لا يمكن أن يشفع حتى ليانكوفيتش أوامره بعد المساس بالمتظاهرين… لماذا طرح أيمن أبو الشعر كل ذلك الآن تحديداً قبيل الأحداث الأخيرة في أوكرانيا؟ إن ذلك يوحي كإشارة منه بأن روسيا لن تتحمل، ولن تصبر على هذا الضيم وأن التغيير قادم لا محالة، الجدير بالذكر أن أيمن أبو الشعر أنجز كتابه الذي خصص نصفه تقريبا لتطور الأحداث في الاتحاد السوفييتي وأوكرانيا قبل العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا بأشهر معدودة، رغم أن الأحداث التي تحدث عنها جرت قبل ثماني سنوات، فلماذا يتناولها الآن تحديداً وقبيل بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة؟ أليس في ذلك إشارة موحية إلى ان روسيا لا يمكن أن تصمت على هذا الضيم وستتخذ قراراً حاسماً نوعياً لفرض العدالة وقد فعلت ذلك حقاً.
(النور)