عشاء الاعتراف والتصهين الفرنسي
د. صياح فرحان عزام:
في الثاني والعشرين من شهر شباط الماضي لهذا العام، أقام المجلس التنفيذي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (كما هو الحال في كل عام)، عشاءه السنوي، وقد تسابق المسؤولون السياسيون إلى حضوره، فالحكومة الفرنسية كلها كانت حاضرة، إلى جانب غالبية المرشحين لانتخابات الرئاسة الفرنسية، التي ستجري في شهر نيسان القادم، أو ممثلين عنهم، والملاحظ بالنسبة للحضور غياب الحزب الشيوعي الفرنسي عن العشاء المذكور، لأنه استُبعد عمداً من قبل موجهي الدعوة، لأنه يدأب على انتقاد السياسة الإسرائيلية بشدة.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يتمكن من حضور العشاء، حسبما ذكرت مصادر فرنسية رسمية في قصر الإليزيه، بذريعة انشغاله بمتابعة مجريات الحرب في أوكرانيا، إلا أنه أرسل للمجلس خطاباً خطياً تلاه عنه رئيس الوزراء الفرنسي كاستكس، فماذا جاء في هذا الخطاب الماكروني؟
كل ما ورد فيه يؤكد الانحياز الفرنسي الأعمى والسافر لكيان الاحتلال الإسرائيلي وللصهيونية العالمية.
ما قاله ماكرون في خطابه حرفياً: (.. أنتم تعلمون تعلّقي بالقدس، القدس العاصمة الأبدية للشعب اليهودي، لم أتوقف عن قول ذلك، وبهذه الروح قمت بالتجول فيها عندما زرتها عام 2020 إن محو اليهودية من القدس أمر غير مقبول)
واضح هنا أن ماكرون لم يتطرق في خطابه إلى أن القدس الشرقية تعتبر أرضاً محتلة حسب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، كما لم يشر من قريب أو بعيد إلى العقيدة للدبلوماسية الفرنسية التي تنص على أنه من الواجب أن تكون القدس عاصمة لدولتين. على الأقل هذا ما كان مطلوباً أن يشير إليه ماكرون، ولكن تصهينه أملى عليه هذا التجاهل المتعمد.
وتابع ماكرون قائلاً في خطابه المتصهين حتى النخاع: (من غير المقبول أن تسيء الجمعيات باستخدام المصطلحات المليئة بالخزي لوصف دولة إسرائيل بأوصاف بعيدة عنها تحت اسم الكفاح العادل من أجل الحرية.. كيف يجرؤون على الحديث عن الفصل العنصري في دولة يتم فيها تمثيل المواطنين العرب في الحكومة والبرلمان، ويتقلدون مناصب قيادية)؟
هذا بعض ما جاء في خطاب ماكرون الذي وجهه إلى المجلس التنفيذي للمؤسسات اليهودية في فرنسا وتلاه عنه رئيس وزرائه.
فماذا يمكن القول حول مقولات ماكرون التي أشرنا إليها قبل قليل؟
الأمر واضح وضوح الشمس، وأقل ما يمكن وصف أقواله، بأنها تجسد الانحياز الأعمى لكيان الاحتلال الصهيوني وتغاضيه المتعمد عن حقوق شعب فلسطين وحتى عن قرارات الشرعية الدولية، كما تمثل أقواله انحرافاً تاماً عن الديغولية، وتجسد ذلك في نقطتين:
الأولى: تأكيده أن القدس عاصمة أبدية للشعب اليهودي مع تجاهل قرارات الأمم المتحدة بأن القدس الشرقية أرض محتلة.
والثانية: زعمه أن إسرائيل تطبق الديمقراطية، فيما يتعلق بالمواطنين العرب داخلها.
كذلك من اللافت في حديثه حملته الشعواء على بعض الجمعيات الفلسطينية وغيرها التي تنتقد الممارسات والسياسات الإسرائيلية العنصرية (علماً بأنه أقدم على حل جمعيتين فلسطينيتين، ما يشير بوضوح إلى تأثر ماكرون بمقولة (الإسلاموفوبيا) واتخاذها ذريعة لاستهداف المهاجرين خاصة منهم العرب والمسلمين.
على أي حال، هذا الموقف الماكروني ليس مستغرباً، لاسيما أن ماكرون مقبل على انتخابات رئاسية فرنسية في شهر نيسان من هذا العام، ولهذا يعمد إلى استرضاء اليهود وكسب أصواتهم وتأييدهم، وبالفعل فإن فرنسا تتصهين أكثر فأكثر.