لا داعي للاستغراب.. إنها الحرب العالمية الثالثة قد بدأت لتوها!‏

المحلل السياسي ألكسندر نازاروف:

يشهد العالم تغيرات تكتونية.‏. انضمّت سويسرا المحايدة دوماً إلى العقوبات المناهضة لروسيا. قريباً، سينظر برلمان فنلندا ‏المحايدة في الانضمام إلى (الناتو)، ويقول الحلف إنه في حالة القرار الإيجابي، سوف يقبل ‏فنلندا في ظرف 24 ساعة.‏

الغرب يغمر أوكرانيا بالسلاح لدرجة أنه قريباً ما سيصبح نصيب المواطنين الأوكرانيين منه 3 ‏قاذفات قنابل يدوية و2 ستينغر لكل مواطن.‏

يقترح بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي استخدام قانون قديم يسمح للحكومة بإصدار تراخيص ‏للقرصنة البحرية، بغرض الاستيلاء على اليخوت الروسية.‏

كذلك تحرق أوربا وغيرها من حلفاء وأتباع الولايات المتحدة الأمريكية جسور العلاقات مع ‏روسيا، بينما أغلقت أوربا سماءها أمام الطيران الروسي، وجمّد الغرب الأصول الروسية، ‏وعزل البنوك الروسية الكبرى عن نظام (سويفت). وامتنعت شركات الشحن الغربية عن نقل ‏البضائع الروسية، ولم يعد هناك قطاع لا تواجه فيه روسيا التضييق أو الحصار. لا تهدف ‏العقوبات الاقتصادية الشاملة إلى خنق الاقتصاد الروسي ببطء، خلال 5-10 سنوات، وإنما ‏لتدميره تماماً الآن، في غضون بضعة أشهر. من الناحية الاقتصادية، تم تحديد مسار التدمير ‏الكامل للدولة الروسية.‏

في الغرب، يُطرد الطلاب الروس من الجامعات في كل مكان، وتتعرض المطاعم الروسية ‏والسكان الروس العاديون للهجوم. بشكل عام، اتخذت عمليات القمع في الغرب طابعاً شاملاً ‏واسع النطاق ضد كل ما هو روسي، بمن فيهم المواطنون الروس العاديون. بل إن المذيعة ‏الأمريكية، أوبرا وينفري، ألقت بكتاب (الحرب والسلام) لمؤلفه الروسي ليف تولستوي من ‏مكتبتها الشخصية.‏

الغرب يشطب روسيا وكل الحضارة الروسية وكل ما هو روسي من التاريخ على أقل تقدير، ‏وسيحاول محوها من تاريخ العالم.‏

يدور الحديث عن التدمير المادي لكل شيء روسي في العالم، كما قام الرومان القدماء برش ‏الأرض بالملح، بعد استيلائهم على قرطاج، حتى لا ينمو أي شيء آخر هناك. تلك هي معركة ‏النهاية.‏

ومع ذلك، فإن روسيا تمر بمثل معارك النهاية تلك، عندما يتعلق الأمر بالتدمير الكامل للحضارة ‏الروسية، مرة كل قرن، وأحياناً أكثر من ذلك في القرن الواحد. وأخشى أن ذلك سوف يتكرر ‏في المستقبل أيضاً.‏

في هذه الحالة، وفي رأيي المتواضع، ليس هناك ما هو غريب في الأمر. كل ما هنالك أننا في ‏تلك الظروف نتطلع إلى الأحداث السريعة التي كان من الممكن أن تحدث في غضون 10 ‏سنوات مقبلة على أي حال.‏

أو ربما لم يكن لتلك الأحداث أن تتسارع سوى على هذا النحو اقتراباً من الذروة.‏

في هذا، أتفق مع فلاديمير بوتين، بأن كل العقوبات كانت ستفرض حتماً، وكل ما نلاحظه كان ‏مقدراً أن يحدث بالضرورة، فقط كان سيحدث في أكثر اللحظات هشاشة بالنسبة لروسيا، على ‏سبيل المثال، عند تغير قيادة البلاد.‏

في الوقت نفسه، ولو فكّرنا بعقل، فإن استمرار مثل هذا النظام لمدة طويلة، على الأقل بالنسبة ‏لأوربا، كان غير ممكن قطعاً. وعلى أقل تقدير بسبب أن خسارة روسيا تعني كارثة اقتصادية ‏وفوضى في البلاد، ما سيوقف إمدادات الطاقة والمواد الخام الهامة الأخرى إلى السوق العالمية، ‏ما يعني بالتبعية انهيار الاقتصاد العالمي. ستصمد الولايات المتحدة الأمريكية لفترة أطول قليلاً، ‏إلا أن الانهيار أيضاً سيطولها.‏

أي أن الغرب يطوي الصفحة لنفسه، ويدخل في عالم لا يضمن فيه وجوده بالأساس. بالنسبة له ‏هو الآخر، تلك هي المعركة النهائية، وشراسة وقسوة الإجراءات ضد روسيا ترجع إلى ذلك، ‏فالغرب على حافة الهاوية وانهيار الاقتصاد، ثم الولايات المتحدة فالاتحاد الأوربي ودول أخرى ‏كثيرة. هو في عجلة من أمره، ولم يتبقَّ له سوى عام أو عامين كحد أقصى قبل انهيار ‏الاقتصاد، والانتصار التلقائي لروسيا والصين. والتدمير الوقائي لروسيا، ثم للصين، هو ‏الفرصة الوحيدة لبقاء الغرب على قيد الحياة.‏

في الوقت نفسه، من الجدير بالملاحظة أن الولايات المتحدة الأمريكية تقف في كواليس المشهد ‏وتراقب بهدوء. فلم تغلق واشنطن الأجواء الأمريكية أمام الطائرات الروسية، وتواصل شراء ‏النفط الروسي، وما إلى ذلك. فتلك حرب بالوكالة، ويجب أن يقاتل أتباعها الذين يتعين عليهم ‏وحدهم أن يتحملوا وطأة الحرب.‏

لقد كتبت عن ذلك مراراً وتكراراً، إن هدف الولايات المتحدة الأمريكية هو تحييد روسيا من ‏خلال جرّها إلى صراع في أوكرانيا، وما يتبعه ذلك من حرب لاحقة بين روسيا وأوربا، أو ‏على الأقل مع القطع الكامل للعلاقات الاقتصادية الروسية الأوربية. فلطالما كان منع التحالف ‏الروسي الألماني هو المهمة الرئيسية للأنغلو ساكسون على مدى قرنين من الزمان.‏

ومع الأسف الشديد، فقد فازت الولايات المتحدة بهذه الجولة، ونجحت في تنفيذ انقلاب بأوكرانيا ‏في عام 2014، والآن، من خلال دميتها في كييف، تمكنت من فرض صراع عسكري على ‏روسيا.‏

إن تبعات ذلك على روسيا كارثية حقاً. علاوة على ذلك، فإن الكارثة هي كارثة استراتيجية، ‏وستبقى المعاناة من تداعياتها لـ 100 عام على الأقل. ولا أعني هنا العقوبات، التي أنا على ‏يقين من أن روسيا، وعلى الرغم من الصعوبات الكبيرة، ستتحملها، وروسيا تمتلك لذلك جميع ‏الموارد والمهارات المطلوبة وعزم قيادة البلاد وتصميمها يسيران على هذا النهج. علاوة على ‏ذلك، بإمكاني القول إن العزلة، ولله الحمد، ستجعل روسيا على أهبة الاستعداد في مواجهة ‏الانهيار الحتمي للنظام المالي العالمي. وعندما يصبح العالم المترابط والمتكامل بشكل متبادل في ‏حالة خراب بعد انهيار نظام الدولار وهرم الديون العالمية، فإن روسيا وحدها هي التي ستبقى ‏على قدميها.‏

‏ إن الكارثة الحقيقية بالنسبة لروسيا هي حرب الشعبين الشقيقين، الأوكراني والروسي، اللذين ‏يمثلان، بشكل عام، شعباً واحداً في كلا الطرفين المتنازعين. فوزير خارجية أوكرانيا السابق، ‏كليمكين، من أصل روسي، وثلث الحكومة الروسية من أصول أوكرانية. وروسيا وأوكرانيا ‏جزء من شعب واحد، وليس ما نراه اليوم على مسمع ومرأى من العالم كله سوى حرب أهلية ‏في واقع الأمر. وستبقى المرارة في القلوب لجيلين على الأقل. وهنا يتحقق حلم الأنغلو ساكسون ‏في إجبار هذين الشعبين من أصل واحد على القتال فيما بينهما. ذلك حقاً هو (انتصار 100 ‏عام) بالنسبة للأنغلو ساكسون.‏

أنا بعيد عن التفكير في أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لا يدرك كل ذلك. ولا أعرف ‏شخصاً في روسيا كلها أكثر حذراً من بوتين. فعندما فُرضت العقوبات على روسيا في السنوات ‏الأخيرة، كان كل الروس يغلون طلباً للانتقام، لكنه كان صامتاً وانتظر في هدوء. الآن، وفي ‏ظل حرب الإبادة ضد روسيا، ما زالت موسكو، أثناء كتابة هذه السطور، تستمر في إمداد أوربا ‏وحتى أوكرانيا بالغاز!!! هل رأيتم مثل ذلك في العالم العربي أو في أي مكان في العالم؟! بل إن ‏روسيا، حتى هذه اللحظة، لم تعلن عن رفضها لسداد القروض، ما يمكن أن يلغي تأثير تجميد ‏الاحتياطات الروسية لدى الغرب! غليل قلبي لا يشفيه إلا دم العدو! لكن عقلي يتفق مع بوتين.                                              ‏

أقول ذلك لتوضيح حقيقة أن بوتين إذا ما فعل شيئاً، فإنه يفعله فقط في اللحظة المناسبة أكثر من ‏أي لحظة أخرى، وفقط عندما يكون متأكداً تماماً من النجاح.‏

فوحده (انتصار 1000 عام) يمكن أن يعوض (هزيمة 100 عام) لروسيا. وإذا قبل بوتين بذلك ‏المدى من قسوة وقوع الضحايا والعواقب الوحشية لذلك على روسيا، فذلك يعني أننا نراقب فقط ‏بداية الصراع.‏

في هذا المقام أتذكر عبارتين لبوتين:‏

‏(إذا كان القتال أمراً لا مفرّ منه، فعليك أن تضرب أولاً).‏

‏(ما الحاجة بنا إلى عالم ليس فيه روسيا).‏

وكما نذكر، فقد أمر الرئيس الروسي منذ يومين بوضع القوات النووية الاستراتيجية الروسية ‏في حالة التأهب القصوى.‏

أعتقد أنها ليست خدعة. فبوتين يذهب إلى نهاية المسار. وبالمناسبة، فإن الترسانة النووية ‏الروسية أكبر وأحدث من الترسانة الأمريكية.‏

وبالنظر إلى تسارع الأحداث، أتوقع نشوب حرب نووية، أو على الأقل وضعاً ملتهباً، يقف فيه ‏العالم على شفا حرب نووية، في موعد لا يتجاوز الصيف، وربما قبل ذلك، بالوضع في ‏الاعتبار إيقاع تدهور الاقتصاد الروسي، فكلما تسارع، اقتربنا.‏

على أي حال، سواء أبقيت روسيا في هذا العالم أم لا، سواء أن انتصرت أو لا، فلن يكون في ‏نهاية الصراع أي ولايات متحدة أمريكية أو غرب على هذا الكوكب. أو على الأقل لن تكون ‏هذه الكيانات بالهيئة نفسها أو الدور نفسه الذي تلعبه الآن.‏

ملحوظة: على قناة (تليغرام) الخاصة بي، نشرت رسالة تلقيتها من الأصدقاء تشير إلى أن ‏سلطات منطقة موسكو سوف تتحقق، في 2 آذار (مارس) الجاري، من حالة صفارات ‏الطوارئ. حقاً إن تلك التجربة تأجلت لسبب ما، لكن من الواضح أن ذلك هو ما تستعد له ‏روسيا.‏

 

 

العدد 1194 - 15/04/2026