قبس من نور الحقيقة
إيمان أحمد ونوس:
من أطلق اسم (النور) على صحيفتنا كان يعي ويُدرك حجم النور الذي سيُشِعُّ ويشيع في الحياة الفكرية والثقافية السورية.
تعرّفتُ على (النور) كقارئة منذ أن عادت للظهور عام 2001، فكانت لي حتى بعد أن نشرتُ فيها مختلف مقالاتي، الملاذ الفكري والثقافي والمعرفي، بما تطرحه من آراء وأفكار ورؤى متعدّدة لم تقف عند حدود انتمائها أو مرجعيتها السياسية كناطقة باسم الحزب الشيوعي السوري الموّحد، بل تناولت مختلف القضايا والمسائل الفكرية الكبيرة، مثلما تناولت الواقع السوري بكل حيثياته واحتياجاته السياسية والاقتصادية والثقافية والمجتمعية، فكانت صوت كل سوري مهما كان انتماؤه السياسي مختلفاً أو متوافقاً، ومهما كان وضعه ومكانته في المجتمع، فكانت صوت العامل حين يتمُّ استغلاله تهبُّ لنصرته وتحصيل حقوقه المصونة بالتشريعات والقوانين التي كان يتمُّ تجاوزها أو التغاضي عنها.
لكن أكثر ما كان يروق لي في (النور) هو المقالات الصحفية والدراسات المتعلّقة بواقع الاقتصاد السوري، فقد تناولته بكل جديّة واحترافية عرّت من خلالها التذبذبات والمخاضات العسيرة التي عاناها اقتصادنا، لاسيما خلال حكومة العطري- الدردري، وفرض ما سُمِّي اقتصاد السوق الاجتماعي الذي عمل على رفع نسب البطالة لاسيما بين الشباب إلى مستويات مرعبة، كما أدى إلى إهمال القطاع العام الصناعي والزراعي على حدٍّ سواء، مثلما أدى إلى إهمال الزراعة المرتكز الأساسي للاقتصاد السوري، وبالتأكيد كان هذا الواقع الذي حذّرت صحيفة (النور) باستمرار من تداعياته أحد أهم أسباب الاحتجاجات والتداعيات التي أدّت إلى ما أدّت إليه من حرب ودمار للاقتصاد السوري سيحتاج ولا شكّ إلى عقود قادمة كي يبدأ النهوض مُجدّداً.
كما كانت صوت النساء السوريات بما يُعانينه من عنف وتمييز مجتمعي وقيمي، وبكل ما تطرحه الحركة النسوية السورية من قضايا وإشكاليات تتعلّق بواقع المرأة السورية، في ظلّ المنظومات الاجتماعية والدينية وحتى التشريعية المُعيقة لتحرّرها من شرانق التبعية والدونية التي فرضها المجتمع بقيمه وتقاليده التمييزية ضدّها لصالح الرجل، فكانت صفحة (المجتمع)، ومن ثمّ صفحة (شباب ونساء)، واليوم تحت اسم (شباب ومجتمع) عبر ما تنشره من مقالات ودراسات تعرض لإشكالية قضايا المرأة المتعلّقة أساساً بتطور المجتمع وارتقائه، من منطلق أن قضية المرأة هي قضية مجتمعية لا تنفصل عن قضايا المجتمع الأخرى المتعلّقة بالتخلّف والاستغلال للجنسين معاً، وقد واكبت النور في عام 2009 الحملات الرافضة لمشروع مسودة قانون جديد للأحوال الشخصية أعدّته سرّاً حكومة العطري، في مواربة مقيتة وتلبية للمطالبات المستمرة بتغيير وتعديل القوانين والتشريعات التمييزية ضدّ المرأة. كما واكبت أعمال اللجنة المُكلّفة بدراسة القوانين والمواد التمييزية ضدّ المرأة في عام 2010 عبر نشر المقالات التي فنّدت وكشفت عن البنود والقوانين التمييزية وضرورة تعديلها تنفيذاً لمبدأ المساواة الذي أقرّه الدستور، وفي الوقت ذاته تصدّت لبعض الاعتراضات الرسمية والناقدة أو الرافضة لكشف الحقائق ذات الصلة بقضايا المرأة في مواقع معنية بإنصاف المرأة والحصول على حقوقها. وبالتأكيد ما زالت صفحة (شباب ومجتمع) تواصل عملها ومهمتها الساعية إلى الارتقاء بواقع الشباب السوري وضرورة تلبية مختلف احتياجاته، ليقوم بالدور المُلقى على عاتقه في بناء ما دمّرته الحرب، والنهوض بالمجتمع من مستنقع فقره وتخلّفه، لأن الشباب هم عماد البناء والتطور والارتقاء.
فللنور، في ذكرى إصدارها، كل الأمل بأن تبقى قبساً من نور يُضيء ظلمة الحرب والدمار، مثلما يُنير الطريق لمختلف شرائح السوريين كي ينهضوا مُجدّداً من تحت ركام ورماد الحرب لبناء سورية المدنية العلمانية التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات.