الأزمة السورية.. وآفاق الحل
جاءت المبادرة السورية أخيراً، في وقت تزداد فيه المراهنات الإقليمية والدولية على سقوط النظام في سورية. وتعددت رسائل التهديد والوعيد بالبند السابع، ولم تغب العناوين التي تتردد في تصريحات المسؤولين في البيت الأبيض والاتحاد الأوربي، وتتكرر يومياً في مجالس إسطنبول وأصدقاء الناتو والجامعة العربية. ومنها مثلاً: (المناطق العازلة، والحظر الجوي، والتدخل العسكري).
وما إن خرجت المبادرة السورية من باب الأوبرا، حتى تعالت بعض الأصوات بمختلف أنغامها وعويلها وفجورها تندد بها، ويحاول أصحابها سنّ ألسنتهم بمبارد تهويش المجاميع الإرهابية وزيادة دعمها بالمال والسلاح وحثّها على المزيد من أعمال التفجير والتخريب والقتل، هذا من جهة. وسرعان ما تكاثفت غيوم المبادرات من المعارضات في الداخل والخارج، التي تدعو للحوار الوطني المشروط والأحادي النظرة وغير القابل للتعديل أو التبديل، المرفوض وطنياً وشعبياً وسياسياً من جهة ثانية.
وفي مقابل هذه المواقف المسبقة الرافضة للحل السياسي، وإيقاف العنف ونزيف الدماء، تفاءلت القوى السياسية الوطنية والديمقراطية والتقدمية، ورأت أن المبادرة السورية هي الحل القابل للديمومة والحياة، وأنها بمراحلها الثلاث أخذت تتفاعل مع الشارع السياسي في سورية. وقد خطت الخطوات العملية في اليوم الثاني للإعلان عنها في خطاب رئيس الجمهورية. إذ شكلت الحكومة خلية وطنية لتنفيذ بنودها. ولقيت التأييد من المحور الإقليمي والدولي المساند والداعم للشعب السوري وقضيته العادلة.
وقرأ حزبنا المبادرة من جوانبها المتعددة، ورأى أنها ترسم الطريق المؤدي إلى الحل السياسي. وهذا أيضاً يحتاج إلى تكاتف وتضامن القوى الوطنية بمختلف مشاربها وألوانها وتوجهاتها، التي ترفض كل تدخل خارجي في الشؤون السورية. ويرى حزبنا أن الحل يجب أن يكون سورياً بامتياز.
إن الأزمة السورية التي يقترب عمرها من السنتين، غربلت المواقف السياسية المحلية والإقليمية والدولية، وكشفت سياسة التزييف والمداهنة والغش. وبيَّنت الأهداف القريبة والبعيدة، السياسية والاقتصادية والعسكرية. وقد احتل أمن إسرائيل أبرز العناوين، وكذلك الحفاظ على الأنظمة الثيوقراطية (أنظمة الحكم الدينية)، وحمايتها من غضب شعوبها والسيطرة على ثرواتها النفطية والغازية. وقد نجحت (ولو مؤقتاً) السياسة الإمبريالية – الرجعية في تغيير بوصلة الحراك الجماهيري عن أهدافه في تغيير وتطوير النظام السياسي العربي، وتحقيق طموحات الشعوب العربية في الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية.
لقد حافظت السياسة الدولية على أجندتها منذ بدء الأزمة السورية، وإن ظهرت بعض التغيرات الطفيفة عليها، كالدعوة إلى الحل السياسي، وأن الشعب السوري هو صاحب الحل في النهاية، وذلك بفضل صبره ومناهضته للإرهاب وصدّه للمجموعات السلفية الوهابية الغريبة عن النسيج الاجتماعي السوري، وبفضل المواقف الثابتة للسياسة الروسية ودول (البريكس). والقناعة التي تكونت لدى المواطنين بعد التجربة المرة والتعرض لأصناف القتل والتهجير والنزوح والسرقة وأعمال الخطف والمجازر. وأن هؤلاء الغرباء القادمين من شتات الأرض، أرادوا أن يحولوا سورية إلى هيكل عظمي، وأن يقيموا على أرضها دولة استبدادية برداء ديني.
إن توحيد الصف الوطني والدفاع عن الوطن ضد أي عدوان خارجي، ومواجهة التهديدات الإمبريالية الرجعية ضرورة وطنية. وإن الشعب السوري الصابر المكافح قد تحمّل الحصار والقرارات الدولية بجميع أشكالها وألوانها. وهو صاحب الحق في إدارة شؤونه بنفسه، وبناء سورية الجديدة وإقامة الدولة التعددية المدنية الديمقراطية.
ويعمل حزبنا إلى جانب القوى الوطنية لفضح الفكر السلفي التكفيري، ونشر الفكر التنويري لتبديد هذه الغيوم الرمادية القادمة إلينا من أوكار الإرهاب العالمية. ويسعى لتوحيد جميع الطاقات الوطنية، وإنجاح الحوار الوطني الديمقراطي، وتحقيق المصالحة الوطنية. وعقد المؤتمر الوطني وإصدار الميثاق الوطني الذي يحدد هوية سورية ويرسم معالم طريق مستقبلها السياسي والاقتصادي والثقافي، والحفاظ على السيادة الوطنية والقرار الوطني المستقل.