الذكرى الثانية لـ«الثورة المصرية المأزومة» وأجراس التغيير
أحيا المصريون الذكرى الثانية ل(ثورة يناير) باحتجاجات واسعة في ميدان التحرير وفي ميادين السويس والإسماعيلية وبورسعيد والإسكندرية، ضد استئثار حزب الحرية والعدالة بالسلطة، وضد (أخونة) الدولة، وضد سياسة التفرد بالقرارات والإخلال بالوعود حول الشراكة مع القوى الأخرى في تعديل الدستور والتمثيل العادل في مفاصل الدولة. وقد دفعت أخطاء الرئيس محمد مرسي ومن يسانده في التيارين الإخواني والسلفي والقوى السياسية المدنية والعلمانية إلى تشكيل جبهة معارضة واسعة لإنقاذ البلاد من الفوضى وانعدام الأمن وغياب الحريات العامة، ولاستعادة دور مصر العروبي والإفريقي الذي غيبته سياسات مبارك الرئيس المخلوع، وسياسات الرئيس مرسي التي هددت وحدة البلاد.
ويسود الشارع المصري انقسام حاد بين أنصار مرسي وبين المعارضة المتمثلة بجبهة الإنقاذ، وكشفت أحداث الأيام الأخيرة وما رافقها من عنف وضحايا ومصابين أن جبهة الإنقاذ لم تعد واثقة بما يصدر عن الرئاسة من تصريحات ودعوات للحوار الوطني العاجل والتهدئة، وهي تضغط عبر الاحتجاجات السلمية المستمرة مطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لإنقاذ البلاد من هذا الوضع الكارثي، وقد فجر صدور أحكام الإعدام على المتهمين بالقتل في أحداث استاد بورسعيد العام الماضي الغضب المتراكم لدى أهالي المدينة المهمَّشة. ولدى تشييع ضحايا الصدامات بين الغاضبين وبين أجهزة الأمن. وتفجر الغضب في الإسماعيلية والسويس. وحاصر المحتجون مجلس الشورى الذي عينه الرئيس، وجرت مهاجمة مقرات لحزب الحرية والعدالة، وفقد الأمن السيطرة على الأوضاع. واضطر الرئيس إلى فرض حالة طوارئ محدودة في المحافظات الثلاث بورسعيد والسويس والإسماعيلية لمدة شهر، وهدد بإجراءات أشد إذا استمرت الأوضاع بالتدهور. والقراءة الأولية للأحداث تظهر أنه تم خطف أهداف الثورة التي أعلنها شبان 25 يناير/كانون الثاني، وحركة 6 أبريل/نيسان، والقوى اليسارية والعلمانية والديمقراطية، وسيطرت قوى المال والكومبرادور والتيارات المتشددة بالدين أو التي وظفت المؤسسات الدينية لأغراض الوصول إلى السلطة، وفرض نظام غريب على المجتمع المصري وتقاليده المدنية العريقة، وعلى عيشه المشترك واستقلالية قراره التي أنجزها الشعب المصري وقواه التحررية في الخمسينيات والستينيات، ولم يستطع الرئيسان السادات ومبارك اللذان حكما بغطاء أمريكي وبقروض صندوق النقد الدولي وشروطه المجحفة، الإجهاز عليها.
والأحداث المتصاعدة في مصر حالياً تنبئ بتغير في المسار، وأجراس التغيير تتمثل في هتافات المحتشدين في ميدان التحرير وساحات المدن الكبرى تطالب بعدالة حقيقية، وشراكة في الوطن، وبحماية حقوق التعبير والعمل والتعليم للمواطنين، وبإقرار دستور يكفل المساواة بين المواطنين، وبإجراء انتخابات نزيهة، وبتشكيل هيئة تأسيسية تقر بالحوار إنجاز المرحلة الانتقالية، واستعادة الأمن المغيب والاستقرار الضروري للنهوض.
وكل مغامرة للاستئثار بالسلطة من جانب الإخوان المسلمين، وكل تجاهل لمطالب المحتجين، وكل معالجات قمعية مستعجلة، ستنعكس وبالاً على مصر ودورها، وعلى جوارها العربي شرقاً وغرباً وجنوباً. وكل خديعة جديدة للمعتصمين في ميدان التحرير ستفضي إلى انكشاف الأدوار، وإلى تصعيد الأزمة، وستجعل مصر عاجزة عن منع التدخلات الخارجية في شؤونها بالحجج القديمة الجديدة نفسها، وحماية الملاحة الدولية في قناة السويس أو استرداد الديون، أو منع انتقال الفوضى إلى دول أخرى، ومسؤولية قوى التغيير الحقيقية في جبهة الإنقاذ والقوى الحية المصرية أن تمنع تدهور الأوضاع والانزلاق إلى خسارة أمن البلاد وسيادتها ودورها الإقليمي والعربي المؤثر.