في خصوصية القمة الروسية الصينية وتبعاتها

ينظر باهتمام خاص إلى القمة الروسية – الصينية، التي عقدت قبل أيام في العاصمة الروسية موسكو، وجمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المنتخب قبل شهور قليلة، والرئيس الصيني شي جين بينغ، المنتخب أميناً عاماً للحزب الشيوعي، ثم رئيساً لجمهوري الصين الشعبية من قبل مجلس نواب الشعب الصيني (البرلمان) في الأول من آذار الجاري.

تمثل هذه القمة باكورة زيارات شي بينغ، وتؤكد خصوصية العلاقة الثنائية بين البلدين. ورغم المحادثات المطولة بين الزعيمين، وهذا ما كان متوقعاً ومخططاً له. فإن التوقيع على 9 اتفاقيات تشمل قطاعات الطاقة والمال والإنتاج الزراعي وغيرها من المجالات، تؤكد عمق العلاقات الروسية – الصينية التي أكدها الزعيمان، ورغبتهما في رفع مستوى التبادل التجاري وتعزيز العلاقات الاقتصادية لتتجاوز ال 88 مليار دولار حالياً إلى 100 مليار في العامين القادمين.. وهذا ما أشار إليه الزعيمان بأن الجانبين مصممان على تطوير المشاريع الاقتصادية المشتركة لما فيه مصلحة البلدين.

وفي الوقت الذي أكد فيه بوتين، أن التعاون الروسي – الصيني يتفق مع المصالح الجذرية لشعبي البلدين، وصف بينغ العلاقات الصينية – الروسية بالقوية، وبأنها أفضل العلاقات بين الدول، داعياً إلى تعزيز هذا التعاون على الساحة الدولية بغية ضمان السلام والاستقرار في العالم.. وأعلن الزعيمان أن العلاقات الروسية – الصينية هي عامل محوري في السياسة العالمية.

يشار هنا إلى أن هذه العلاقات تشهد تعزيزاً وتطوراً منذ حل الخلافات الأيديولوجية بين البلدين، وتطبيع العلاقات بينهما في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وحل المشاكل الحدودية بينهما (تصنف بأنها أطول حدود بين دولتين جارتين). وانعكست هذه التطورات بين الدولتين على العلاقات القارية الآسيوية، وانتقالها من حالة الاحتراب و(التنافس) إلى وضعية التعاون والتنسيق، وأثرت إيجاباً على الأوضاع في القارة، إذ يشارك البلدان في العديد من الروابط والتكتلات الاقتصادية فيها، وبخاصة منظمة شانغهاي للتعاون (تضم إليهما عدداً من الجمهوريات الآسيوية السوفييتية سابقاً) ومجموعة (بريكس) الدولية التي تضم إلى جانبهما كلاً من البرازيل والهند وجنوب إفريقيا.. كما أثمرت هذه العلاقة عن توازنات جديدة في الخريطة الدولية، وفي كيفية التعاطي مع الإشكاليات المناطقية والدولية التي يعانيها عالمنا، وبخاصة منطقتنا العربية في السنتين الماضيتين، والموقف من تداعيات (ثورات الربيع العربي)، ومن الأزمة السورية التي أفشل فيها التنسيق الثنائي الروسي – الصيني العديد من مشاريع القرارات الغربية المنحازة في مجلس الأمن الدولي.

فضلاً عن دعواتهما المتكررة إلى عالم متعدد الأقطاب، والخلاص من الأحادية القطبية الأمريكية، وانعكاسات ذلك على التوازنات الدولية القائمة والمستقبلية القريبة أيضاً، إذ تشغل الصين وروسيا عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي، كذلك عضويتهما في مجموعة العشرين الدولية، فضلاً عن شبكة علاقاتهما مع العديد من الروابط والدول الفاعلة عالمياً. وتشارك الدولتان في اللجنة السداسية الدولية الخاصة بالملف النووي الإيراني، وفي اللجنة السداسية الخاصة بملف كوريا الديمقراطية وشبه الجزيرة الكورية عموماً.. ولم تتعرض الصين وروسيا لارتدادات الأزمة المالية الأمريكية ثم العالمية، خلال سنواتها الخمس، بل تشهدان نمواً اقتصادياً مضطرداً، وتعزيز للعلاقات بينهما، وبين الدول الأخرى، وتساعدان في (تجاوز) الدول الأخرى لصعوباتها، وتطالبان باحترام المواثيق الدولية ومرجعياتها وبخاصة الأمم المتحدة، وهذا ما يوفر أرضية مشتركة قوية في التعاطي مع الصعوبات الإقليمية والدولية، ويسرع من الإقرار الفعلي بالتعددية القطبية والتوازن الدولي.

ولهذه الأسباب وغيرها ينظر إلى التنسيق الروسي – الصيني باهتمام، وخاصة أنه يهدف إلى الوصول إلى عالم أكثر أمناً واستقراراً وتوازناً، وهذا ما تمارسه كل من الصين وروسيا على حدة، ويزداد فعله من خلال التنسيق بين العملاقين الدوليين.. وفي هذا السياق ينظر إلى القمة الروسية – الصينية، وإلى دورية اللقاءات بين قادة البلدين، وتفاهماتها المعلنة والرسمية حول المشاكل العالمية على كثرتها. في الوقت الذي تعاني فيه العديد من الدول والاتحادات أزمات مالية واقتصادية، وبخاصة الدول الرأسمالية أو الدول السائرة في ركابها. وتمكنت الدولتان من تجنب آثار هذه الأزمات وتداعياتها، فضلاً عن عملها الفردي والثنائي في بناء شبكة علاقات دولية سياسية واقتصادية أكثر توازناً وأمناً واستقراراً.

العدد 1194 - 15/04/2026