اللقاء الثلاثي وتفاصيل «جنيف 2» وعقباته

كشف اللقاء الدولي الثلاثي الذي ضم ممثلي روسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة، وعقد في جنيف في الخامس من حزيران، عن أن أطرافه بحثوا في القضايا التفصيلية حول موعد انعقاد مؤتمر (جنيف 2)، وطبيعة الوفود المشاركة فيه، وبخاصة وفدَيْ الحكومة السورية و(المعارضات)، فضلاً عن ماهية الدول المنشغلة في الأزمة السورية، وتالياً مشاركتها في هذا المؤتمر، كذلك التاريخ المتوقع لعقده وآليات عمله. وقد سبق اللقاء الثلاثي قمة روسية – أوربية (4 حزيران) في مدينة يكاترينبورغ الروسية، أوجز أعماله في مؤتمر صحفي مشترك الرئيس فلاديمير بوتين، ورئيس المجلس الأوربي هيرمان فان رومبوي، ورئيس المفوضية الأوربية جوزيه باروزو، طالب فيه بوتين أعضاء الأمم المتحدة أن يمتنعوا عن توريد الأسلحة إلى الميليشيات المسلحة، تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مذكراً بمشروع القرار البريطاني حول ذلك أيضاً. ودعا الاتحاد الأوربي (بعد قراره رفع حظر الأسلحة عن سورية، أي عن المجموعات المسلحة أساساً) إلى تفعيل وثيقة متفق عليها تحظر تصدير الأسلحة إلى مناطق تشهد نزاعات في العالم، مؤكداً أيضاً أن صادرات الأسلحة الروسية إلى سورية، وخاصة صواريخ (إس 300) الدفاعية، تجري (وفقاً لعقود مبرمة سابقاً، ولاتنتهك القوانين الدولية، وهي عقود شفافة)، وأن صواريخ مشابهة أمريكية نشرت في تركيا، وستنشر قريباً في الأردن. وأكد طرفا اللقاء ضرورة الحل السياسي، كما أعلن رومبوي أن (الموقف الأوربي الثابت بأن لا بديل عن الحل السياسي)، مؤكداً (عزم الاتحاد على مواصلة التعاون مع روسيا بشأن التسوية في سورية، وترحيبه بالمبادرة الروسية – الأمريكية حول مؤتمر جنيف2).

إن لقاء جنيف الثلاثي عكس الأجواء الدولية التي اقتربت وماتزال من الموقف الروسي المبدئي، وأصبحت تقرّ رسمياً بضرورة الحل السياسي، ناقش القضايا المتعلقة بكيفية عقد مؤتمر (جنيف 2) وآليات عمله. إذ أعلن الجانب الروسي الذي مثله نائبا وزير الخارجية غينادي غاتيلوف وميخائيل بوغدانوف، وعلى لسان غاتيلوف أن (أصعب قضية هي دائرة المشاركين في المؤتمر، وأن القضية بأكملها هي أن المعارضات، على عكس الحكومة السورية، لم تتخذ قراراً جوهرياً بخصوص مشاركتها في المؤتمر).

وأظهر المؤتمر استمرار تحفظ العديد من دول الاتحاد الأوربي أو اعتراضها على مشاركة إيران، متذرعة بأن تثير مشاركتها تشويشاً على محادثات الملف النووي الإيراني، وأن تشكل أيضاً مكافأة لإيران في دعمها لسورية، التي تصر روسيا على حضورها إلى جانب العديد من الدول الإقليمية الأخرى المنشغلة بالأزمة السورية، حرصاً على إنجاح المؤتمر وإلزام أطرافه والمشاركين فيه بقراراته. ورغم تأكيد الأخضر الإبراهيمي، ممثل الأمم المتحدة ومبعوثها لحل الأزمة السورية أن (حل الأزمة سياسياً هو الوحيد الممكن، والأمر العاجل للغاية، فإن الكثير من العمل المتبقي يتطلب تأجيله إلى الشهر القادم)، وأرفق تأكيده ب(أن النقطة الشائكة الوحيدة هي أن الجانبين السوريين نفسَيْهما ليسا مستعدَّيْن بعدُ للالتزام بالمؤتمر)!

نود الإشارة هنا إلى أن سورية رحبت بوثيقة جنيف الموقعة في 30 حزيران من العام الماضي، التي رفضتها (المعارضات) الخارجية والمجموعات المسلحة ومحور (قطر، السعودية، تركيا)، وعرقلت تنفيذها أطرافٌ دولية، ومنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة.. كما أن سورية أعلنت ترحيبها مبكراً بعقد مؤتمر (جنيف2)، وأن (المعارضات) وضعت شروطاً تعجيزية للمشاركة فيه، فضلاً عن المواقف المتشددة للمجموعات والعصابات المسلحة، وهذا ما أكده وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، وقلل من هذه الشروط نظيره الأمريكي جون كيري بقوله (إنهم سيحضرون)!

وفيما خيمت على الاجتماعات الثلاثية تطورات الأوضاع الميدانية السورية وتبعاتها، توافقت الوفود على لقاء ثان في 25 حزيران الجاري في جنيف أيضاً، وتؤكد هذه اللقاءات التحضيرية الروسية الأوربية والثلاثية، على أهميتها، التي تستبق القمة الروسية – الأمريكية المقررة في 17-18 حزيران، على هامش قمة الدول الثماني الكبرى، وإدراجها الأزمة السورية على جدول أعمالها، تؤكد دخول الأطراف الدولية المعنية بالأزمة السورية، في بحث القضايا المتعلقة بعقد مؤتمر (جنيف 2) وآليات عمله، وصولاً إلى الهدف الذي بات مقراً، من قبلها جميعاً، وعنوانه الحل السياسي، وإن بتباين يعكس حقيقة مواقف هذه الأطراف، موافِقة أو مضطرة، ودورها العملي في إنجاح تنفيذه. كما أن الإعلان عن عقد اللقاء الثلاثي اجتماعه الثاني بعد أقل من أسبوعين، وبعيد قمة بوتين- أوباما، يؤكد مفصلية هذه القمة من جهة، و(إقرار) هذه الدول بضرورة مواصلة جهودها حول مؤتمر (جنيف 2) من جهة ثانية.

ورغم إقرار لقاءيْ روسيا – أوربا، والثلاثي الدولي، خلال أيام معدودة، بالحل السياسي واستحقاقاته، وتالياً تبعاته، فإن من المنطقي والأخلاقي الالتزام العملي لهذه الأطراف بكيفية تجسيد هذا التوجه، واستخدام نفوذها تجاه (المعارضات) السورية، وبخاصة الخارجية منها، كذلك تجاه الأطراف العربية والإقليمية (الممتعضة) عملياً من التوافق الدولي حول الحل السياسي، الذي يمثل حرجاً وانسداداً لمشاريعها وتوجهاتها الهادفة عملياً إلى إدامة الأزمة السورية واستمرار عسكرتها وتبعاتها الكارثية على سورية، وطناً وشعباً وكياناً، وإشغال سورية بأزمتها على حساب دورها العربي والإقليمي. فيما يؤكد الموقف السوري الوطني الإيجابي من وثيقة جنيف ومن مؤتمر جنيف 2 حقيقة التعامل السوري مع المبادرات الهادفة إلى حل الأزمة السورية، بالحوار والحل السياسي، بديلاً من اللغة السلبية (الدولية) و(الإقليمية) و(المعارضات) التي سادت فترة طويلة، واعتقدت خاطئة بأن الطريق الوحيد لحل الأزمة السورية ممكن عبر العنف والعمل الإرهابي المسلح ومواصلة الحصار والعقوبات ضد سورية، أو تكرار سيناريوهات (ثورات الربيع العربي) التي تعيش راهناً أزماتها المستفحلة.

كما يستند الموقف الوطني السوري إلى انفضاح مواقف الدول العلنية السلبية السابقة المنشغلة بالأزمة السورية، وإلى انسداد أفقها وإقرارها، راضية أو مضطرة، بضرورة الحوار والحل السياسي، بديلاً من الشعارات البائسة والفاشلة، التي كانت تشترط (التنحي، التغيير، نقل السلطة.. إلخ).

ويزيد من صلابة هذا الموقف الوطني السوري الإنجازات الميدانية المتتابعة لمكونات سورية الوطنية (حكومة، أحزاباً وطنية، جيشاً، شعباً)، وآخرها بسط سيادة الدولة على مدينة القصير وريف حمص الجنوبي الاستراتيجي وتداعياتها، التي فرضت نفسها على اللقاء الثلاثي الدولي، والتمسك السوري بتحالفاته وعلاقاته المبدئية الداخلية السورية والإقليمية والدولية أيضاً.

العدد 1194 - 15/04/2026