المعارضات السورية… بين التصعيد التدميري والواقعية السياسية
أثار اجتماع الفصائل والتيارات المعارضة السورية المنعقد في الدوحة برعاية قطرية وتركية، وبمساندة أمريكية وأوربية، ردود فعل متباينة لدى الدول المعنية بالأزمة السورية، إذ رحبت الإدارة الأمريكية بالجسم السياسي الجديد الذي حلّ محل مجلس إسطنبول، وحمل اسم (الائتلاف الوطني السوري)، وتعهدت بدعم الائتلاف بمبلغ 30 مليون دولار. وسارعت فرنسا للاعتراف بالائتلاف ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب السوري، وطلب الرئيس الفرنسي تعيين مبعوث للائتلاف في باريس، واستقبل قيادة الائتلاف، وتعهد بالتشاور مع نظرائه الأوربيين من أجل رفع الحظر عن تسليم الأسلحة للمجموعات المسلحة التابعة للائتلاف. أما بريطانيا فقد حذت حذو واشنطن وأخّرت اعترافها بالجسم الجديد حتى تطَّلع على رؤيته وبرنامجه، ولكنها تعهدت بمناقشة مسألة تسليح المعارضة بشكل جدي.
واللافت أن أول تصريح لرئيس الائتلاف الجديد هو رفض الحوار مع النظام، والطلب من الدول الراعية والممولة والداعمة بتأمين أسلحة نوعية للمعارضة من أجل (إسقاط النظام، وحسم الصراع عسكرياً)، في تجاهل غريب لمساعي المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي، ولتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بأن الحل السياسي هو الوحيد للأزمة السورية، وتجاهل لأطراف عربية وإقليمية ودولية وازنة منفتحة على الأطراف السورية جميعها في السلطة والمعارضة، بينها روسيا والصين والعراق وإيران، ترى أن حل الأزمة السورية يكون بالحوار بعيداً عن أي تدخل خارجي، استناداً إلى مرجعية اتفاق جنيف وخطة النقاط الست. وأن أي تزويد للمعارضة بالسلاح يزيد في معاناة السوريين ويهدد بنية الدولة السورية ومؤسساتها.
وقد دعا الرئيس الروسي بوتين الدول ذات التأثير على المعارضات المسلحة بأن تقنعها بقبول الحل السياسي والدخول في حوار بين السوريين لإنجاز التغيير الديمقراطي.
وقد ترافق انعقاد مؤتمر الدوحة مع تجييش إعلامي وتهديدات بتشديد العقوبات على الحكومة السورية، وهي عقوبات تزيد معاناة الشعب السوري في عيشه وأعماله وأمنه، دون أي سند قانوني من مجلس الأمن أو أي تفويض أممي، كما ترافق إعلان (الائتلاف الجديد) بتصعيد واسع للعمليات العسكرية والتفجيرات وأعمال الخطف والنهب والقصف بالهاون، دون تفريق بين حي مدني وموقع عسكري، في محاولة لإظهار حضور مقنع على الأرض، وتعريض العجز عن إمكان السيطرة على مساحات واسعة لفترة طويلة.
وقد استضافت طهران مؤتمراً واسعاً للحوار الوطني ولحل الأزمة السورية تحت شعار (لا للعنف ونعم للحوار)، حضرته مئتا شخصية تمثل أحزاباً وتيارات من المعارضة السلمية ومسؤولين حكوميين وشخصيات مستقلة برلمانية ودينية وعشائرية، كما شاركت في أعمال شخصيات سياسية بارزة من السودان وتركيا ومصر ولبنان والعراق. وافتتح المؤتمر وزير خارجية إيران علي أكبر صالحي، وأكد رؤية إيران لحل الأزمة السورية القائمة على ضرورة وقف العنف بالتعاون مع دول المنطقة، ودعم مشروع الإبراهيمي، وإجراء حوار وطني يفضي إلى خلق عملية ديمقراطية متكاملة. ورأى صالحي أن تزويد المعارضة السورية بأسلحة ثقيلة يوسع نطاق الإرهاب ويهدد استقرار المنطقة كلها، ومقابل الهيمنة الواضحة للإخوان المسلمين والتيارات السلفية المتشددة في اجتماع الدوحة، ظهر حضور واسع للأحزاب والشخصيات العلمانية والمستقلة في مؤتمر طهران.
وقد خلص المؤتمر إلى تشكيل لجنة مكلفة بالاتصال بالأطراف السياسية السورية المعارضة جميعها، وتعهدت طهران بتشكيل أمانة للحوار الوطني بين السوريين، وبإجراء لقاء ثلاثي بين إيران وتركيا ومصر على هامش اجتماع الدول الثماني الإسلامية الذي تستضيفه باكستان.
ورأى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي أن مؤتمر طهران خطوة مهمة باتجاه إعادة الأمن والاستقرار إلى سورية، وأن الدول التي لا تدعم الحل السياسي للأزمة السورية تساهم في توسيع العنف، ولفت إلى أن سورية تدفع اليوم ضريبة دعمها للمقاومة في فلسطين.
ونعتقد أن المعارضات الخارجية قد أظهرت افتقاداً للرؤية السياسية، واندفاعاً نحو تصعيد الأعمال الإرهابية المدمرة، متجاهلة معاناة الشعب السوري الذي تدَّعي الدفاع عن حقوقه، وبرهنت على ارتهانها لأجندات خارجية، ولحسابات ومصالح بعيدة عن مصالح السوريين وسيادة بلدهم، وتغافل أركان اجتماع الدوحة عن آراء أحزاب وتيارات سياسية معارضة وعلمانية وهيئات مجتمع مدني واسعة، ترى أن دوامة العنف يجب أن تتوقف، وأن حل الأزمة السورية يكون بالحوار وليس بالنار، وأن التدخلات الخارجية التي تزايدت كثيراً في الشأن السوري، وتحكمت بعمليات معارضات الخارج ومسلحيها و(اجتماعاتها وائتلافاتها وتوجهاتها، لن تجلب لسورية إلا المزيد من الكوارث. ونرى أن مرحلة انعطافية في مسار الأزمة السورية التي شغلت المجتمع الدولي قد بدأت، وأن رؤية منفتحة للمعارضات السياسية التي أبدت تجاوباً مع الحل السياسي للأزمة السورية قد أخذت بالتبلور، وأن كل مراهنة على عمل عسكري خارجي محدود أو واسع في سورية، وكل استقواء بالخارج أو مطالبة بدعم عسكري هي خدمة لمشاريع الهيمنة على المنطقة وانتهاك لسيادة دولها. ونرى أن مؤتمر طهران مدخل ملائم يضع أساساً لحوار واسع يستند إلى رؤية المبعوث الأممي الإبراهيمي، ويمهد الطريق لحل سياسي شامل للأزمة، يلبي طموحات السوريين ويحفظ وحدة الوطن وسيادته، ويعيد الأمن والاستقرار إلى البلاد، ويلجم التطرف والإرهاب ويبعد خطرهما، ويؤمن شراكة حقيقية للمواطنين السوريين في الثروة وإدارة البلاد، ويعيد لسورية دورها الوطني والعروبي الفاعل، ويمكنها من إبعاد خطر مشروعات التفكيك والهيمنة، وتحرير الجولان، وإغلاق الأبواب أمام المغامرين والمتاجرين بدماء الشعوب.