أردوغان.. و«براعة» تدمير العلاقة المصرية التركية
لم يكن مفاجئاً قرار مصر سحب سفيرها من تركيا، وعدم رغبتها ببقاء السفير التركي على أراضيها، لاسيما بعد البلطجة (الأردوغانية) بحق مصر وشعبها.. فالتدخل التركي في الشأن المصري والدعم اللامحدود لطموحات الإخوان الدموية ومشاريعهم، كادت تودي بمصر إلى التهلكة، لولا حكمة الجيش المصري وحنكته، لاسيما بعد تقديم حكومة (العدالة والتنمية) التركية كل أشكال الدعم لإخوان مصر ومخططاتهم التدميرية بحق مصر. ومع أن هذا القرار كان من الواجب اتخاذه منذ إعلان تركيا موقفها من ثورة 30 حزيران (يونيو) التي أسقطت حكم الإخوان، إلا أنه يعدُّ خطوة مهمة على طريق وضع حد للرعونة الأردوغانية بحق الكثير من الدول العربية ومنها مصر.
وكان رئيس الوزراء التركي قد وجه انتقادات حادة للسلطة الجديدة في مصر، وجدد وصفه لما حدث في مصر بعد الثلاثين من حزيران الماضي بأنه انقلاب عسكري، واعتبرت الحكومة المصرية أن القيادة التركية (أمعنت في مواقفها غير المقبولة وغير المبررة، بمحاولة تأليب المجتمع الدولي ضد المصالح المصرية). وهو ما جعل مصر توجه رسمياً الاتهامات لتركيا (بدعم اجتماعات لتنظيمات تسعى إلى خلق حالة من عدم الاستقرار في البلاد، وبإطلاق تصريحات أقل ما توصف بأنها تمثل إهانة للإرادة الشعبية التي تجسدت في 30 حزيران الماضي). بعد هذا تعالت الأصوات المصرية، على مختلف الأصعدة، مطالبة باتخاذ خطوات تأديبية بحق الدول التي وقفت ضد هذه الثورة، وأن تتسم العلاقات مع الدول التي لا تعترف بهذه الثورة بالحسم والندية، وأنه آن الأوان أن تستعيد مصر مكانتها وأن تؤكد أنها لن تسمح بالتدخل في شؤونها الداخلية، فأردوغان الذي رفع شعار رابعة العدوية وتحدى إرادة الشعب المصري الذي رفض حكم الإخوان، وما زال يدعمهم حتى بعد الإطاحة بهم ويتمنى عودتهم، لابدّ أن ينال جزاء ما اقترفت يداه الآثمتان بحق مصر وشعبها. والحقيقة أن التوتر في العلاقات بين البلدين ازداد بشكل كبير، عقب الإطاحة بحكومة مرسي، لاسيما بعد أن استدعت القاهرة سفيرها في (أنقرة) في الخامس عشر من آب الماضي؛ للتشاور، بعد انتقاد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، لقيام الحكومة المصرية بفضّ اعتصامي (رابعة والنهضة) لمناصري مرسي. يذكر أن قرار مصر بمطالبة السفير التركي بصفته الدبلوماسية مغادرة القاهرة باعتباره (شخصاً غير مرغوب فيه على أراضيها) هو الثالث من نوعه في تاريخ العلاقات بين البلدين، إذ أتى الطرد الأول نتيجة رفض الاعتراف بثورة ،1952 واستمرار حملات تركيا ضد قيادات الثورة خاصة جمال عبد الناصر، والثانية عام 1961عندما انفصلت مصر عن سورية بعد أن كانت الجمهورية العربية المتحدة، وباركت تركيا هذا الانفصال ووصفته بالانقلاب العسكري.
لقد تعاملت حكومة أردوغان الإخوانية بعقلية العصابات، بسماحها للتنظيم الدولي للإخوان بعقد اجتماعاته في تركيا، لبحث تداعيات سقوط حكم جماعة الإخوان بعد عزل مرسي. والحقيقة أن موقف حكومة (العدالة والتنمية) تكتنفه الكثير من المخاوف من تأثير فشل الإسلام السياسي في مصر على الداخل التركي، خاصة في ظل الترويج للنموذج التركي في المنطقة، لاسيما الدول التي شهدت تحولات سياسية وثورات على الأنظمة القديمة، إذ سبق أن توافقت حكومة أردوغان مع إدارة أوباما حول حكم الإخوان لمصر، فخلال زيارة أردوغان لمصر 2011 طالب بابتعاد الجيش عن السياسة والحكم، وانتقد تأخير الإعلان عن الفائز في الانتخابات الرئاسية المصرية في ،2012 وفي أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، كان الرئيس المصري السابق محمد مرسي في مقدمة المشاركين في المؤتمر العام الرابع لحزب (العدالة والتنمية) الذي يترأسه أردوغان. وكما أفشلت 30 حزيران (يونيو) المشروع الأمريكي للمنطقة، وأحبطت مخططات أوباما في الشرق الأوسط، كذلك قضت على أحلام أردوغان في عودة الإمبراطورية العثمانية بثوب جديد، وأوقفت طموحاته، كما أفشلت مسيرة حزب العدالة و التنمية في جعل العالم العربي امتداداً للعمق الاستراتيجي التركي إقليمياً.
لقد فشلت جماعة الإخوان أثناء حكمها في مصر على الأصعدة كافة، لاسيما الأمن والسياسة والاقتصاد، كما أن ارتباط مرسي بالعشيرة والجماعة أكثر من ارتباطه بالوطن والشعب، دفعت بالجموع الغفيرة من المواطنين المصريين للنزول إلى الشارع مطالبين إياه بالرحيل، وهنا وجد الجيش المصري نفسه، بحكم دوره الوطني، منحازاً للشعب ومحققاً لرغبته في عزل الحاكم وإجراء انتخابات رئاسية جديدة، ولذا أعلن الجيش خارطة طريق لمدة 9أشهر، بعد ذلك أخذ ارتباط الدور التركي بجماعة الإخوان المسلمين يتجلى بوضوح من خلال تصريحات أردوغان اللا مسؤولة بحق الشعب والقيادة المصرية الجديدة. كما أن أردوغان قام بتحريض الأمم المتحدة ومجلس الأمن لعقد جلسة تشاورية عن الشرق الأوسط والتركيز على الأزمة المصرية، وقام أيضاً بتحريض منظمات حقوقية تركية ودولية لملاحقة- كما يدّعي- (مجرمي الانقلاب).
إن التدخل الأردوغاني الفجّ في شؤون مصر الداخلية، واستمرار انتقاد الحكومة التركية للقيادة المصرية الجديدة، ومحاولاته المستمرّة تأليب أتباعه على ضرب الجيش ومقرّاته في كل الأراضي المصرية، هو الذي أدى إلى سحب السفير المصري من تركيا وطرد السفير التركي من مصر، ومن شأن الحماقة التركية الرسمية، إن استمرت، أن تزيد من التوتر بين الدولتين، وهو ما لا يتمناه أيٌّ من أبناء الشعبين الصديقين.