مصر… دستور جديد يُحصن الشعب والجيش والدولة

مع انتهاء لجنة الخمسين من صياغة الدستور المصري الجديد، ورفع نصوصه للرئيس عدلي منصور تمهيداً لإقراره وطرحه للاستفتاء، تكون مصر وقوى التغيير الثوري الحقيقي فيها قد وضعت القطار على السكة الصحيحة، بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين الذين أرادوا مصادرة مصر العروبة والإخاء والإنسانية، وجعلها حكراً على جماعة وفكر دون غيره.

والحقيقة أن الدستور المصري الجديد عانى من بعض الاختلاف في وجهات النظر بين بعض الأعضاء في لجنة الخمسين، قبل التوافق عليه، وهو أمر طبيعي في أمور كهذه، ذلك أن جمهورية مصر العربية تشهد حالة ولادة جديدة، ومن الممكن جداً أن تنتاب هذه الولادة بعض الآلام والمنغصات، بيد أن نجاح الولادة هو ما توافق عليه جميع المصريين باستثناء (الإخوان المسلمين) الرافضين لأي مشاركة في بناء مصر الجديدة لا تتضمن عودة رئيسهم المخلوع.. وبالرغم من بعض الصعوبات فقد توافقت اللجنة على مواد مشروع الدستور البالغ عددها 247 مادة، منها 42 مستحدثة، و18 في باب الحريات و45 تتحدث عن العمال والفلاحين. وكان الجيش المصري قد علّق العمل بدستور 2012 عقب إطاحة مرسي، وأعلن خريطة مستقبل لتنظيم المرحلة الانتقالية تتضمن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية عقب الاستفتاء على مشروع الدستور. وعدلت اللجنة الجديدة الدستور السابق الذي وضعت مسودته جمعية تأسيسية هيمن عليها الإسلاميون إبان حكم الرئيس المصري المعزول محمد مرسي. وبموجب (خريطة المستقبل)، يتعين أن يدعو الرئيس المؤقت الشعب للاستفتاء على مشروع الدستور خلال شهر على الأكثر بعد تسلمه من اللجنة. وبهذا التوافق على المشروع الجديد للدستور تكون لجنة الخمسين حسمت جدلاً كبيراً صاحب المواد المتعلقة بهوية الدولة، في ظل تحفظات من قبل ممثل حزب (النور) السلفي داخل اللجنة، التي أقرت الإسلام ديناً للدولة، واعتبرت مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ومبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية. كما أقرت اللجنة النص الخاص باستقلالية الأزهر الشريف كهيئة إسلامية علمية مستقلة، واعتباره المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء. وأقرت لجنة الخمسين النصوص المتعلقة بحقوق العمال التي تلتزم الدولة بالحفاظ على هذه الحقوق والعمل على بناء علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية، وكفالة سبل التفاوض الجماعي، وحظر فصل العمال تعسفياً، فضلاً عن الحفاظ على حقوقهم في نصيب من الأرباح وتمثيلهم في مجالس الإدارات، فضلاً عن الاعتراف بالإضراب السلمي كحق ينظمه القانون. وألزمت الدولة بتكريم الشهداء ورعاية مصابي الثورة، والمحاربين القدماء والمصابين، وأسر المفقودين في الحرب وما في حكمها، ومصابي العمليات الأمنية، وأزواجهم وأولادهم ووالديهم، وتعمل على توفير فرص العمل لهم، فضلاً عن كفالة الدولة لتوفير خدمات التأمين الاجتماعي، وحق كل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعي في الضمان الاجتماعي، بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادرًا على إعالة نفسه وأسرته، وفي حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة.

وتلزم نصوص الدستور الجديد الدولة بتوفير معاش مناسب لصغار الفلاحين، والعمال الزراعيين والصيادين، والعمالة غير المنتظمة، كما تلزم الدولة بحماية أموال التأمينات والمعاشات باعتبارها أموالاً خاصة، تتمتع بجميع أوجه وأشكال الحماية المقررة للأموال العامة، وهي وعوائدها حق للمستفيدين منها، وتستثمر استثماراً آمناً، وتديرها هيئة مستقلة، وفقاً للقانون.

كما أن لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب، ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل، وتلتزم الدولة في هذا الشأن بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية، فضلاً عن التزام الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطي كل الأمراض، ويجرّم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. ويعتبر الدستور الجديد التعليم حقاً لكل مواطن، والتعليم إلزامياً حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، فضلاً عن ضمان مجانية التعليم بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية، كما تكفل استقلال الجامعات والمجامع العلمية واللغوية، وتوفير التعليم الجامعي، وتعمل على تطوير التعليم الجامعي وتكفل مجانيته في جامعات الدولة ومعاهدها، بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم الجامعي لا تقل عن 2% من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية. كما تكفل الدولة حرية البحث العلمي وتشجيع مؤسساته، وتخصص له نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 1% من الناتج القومي الإجمالي، كما تكفل سبل المساهمة الفعالة للقطاعين الخاص والأهلي وإسهام المصريين في الخارج في نهضة البحث العلمي، وتلتزم الدولة في هذا المجال بوضع خطة شاملة للقضاء على الأمية الهجائية والرقمية. كما يلزم الدستور الجديد الدولة بحماية حرية الإبداع، وقصر حق تحريك الدعاوى الجنائية ضد المبدعين على النيابة العامة، ما يعني إلغاء ما عرف سابقاً ب(قانون الحسبة)، كما يلغي الدستور الجديد الحبس في قضايا النشر، ويطلق حرية إصدار الصحف للأشخاص الاعتبارية والطبيعية، ويحظر مصادرة الصحف لأي سبب، مثلما يحظر قيام الأحزاب على أساس ديني. ويؤكد رئيس لجنة الخمسين أن هناك توافقاً كاملاً على مواد مشروع الدستور، مشيراً إلى أنه لا توجد أي مواد معلقة، وأن الدستور الجديد ينصُّ على غرفة واحدة للبرلمان، وأنه تم حظر الأحزاب الدينية، كما تم إيجاد مواد خاصة بالتحصين المؤقت لمنصب وزير الدفاع باعتبار أن المرحلة الحالية تتطلب ذلك. وانتقد حقوقيون ونشطاء مسودة الدستور معترضين بشكل خاص على المادة ،204 التي تسمح بمحاكمة المدنيين المتهمين بشن (اعتداءات مباشرة) على القوات المسلحة أمام محاكم عسكرية. إلا أن رئيس لجنة الخمسين أوضح أنه تمت إعادة صياغة هذه المادة التي كانت مدرجة في الدستور السابق، معتبراً أنها تحدد بوضوح الإطار الذي يمكن أن تحصل فيه هذه المحاكمات. من جانبه، قال محمود بدر، ممثل حركة (تمرد)، التي دعت للاحتجاجات الشعبية التي انتهت بعزل الرئيس السابق محمد مرسي: (في سياق الاعتداءات الحالية على القوات المسلحة، فإن الصياغة الحالية التي وضعت المحاكمات العسكرية للمدنيين في أضيقِ حدودٍ هي الأكثرُ إرضاء).

وإذا كان البعض قد اعترض على المادة 234 من الدستور، التي تنصُّ على تعيين وزير الدفاع بالاتفاق مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة. فإن الظروف الاستثنائية التي تمرُّ بها مصر هي التي أدت لوجود هذه المادة والتي لن تطبق سوى لولايتين رئاسيتين، أي ثمانية أعوام. وتعطي مسودة الدستور لموازنة الجيش حصانة من الرقابة المدنية، إذ حصرت مناقشتها بمجلس الدفاع المكون من 14 شخصية، بينهم ثمانية عسكريين.

إن التوافق على مشروع الدستور الجديد لمصر، الذي أشرفت عليه لجنة الخمسين، يعدُّ واحداً من أهم إنجازات الشعب المصري، عقب الإطاحة بحكومة الإخوان، ولذا فمن المتوقع أن يتعرض هذا المشروع لحملة شرسة من أتباع الإخوان بغية إفشاله. وفي هذا الإطار كشفت السلطات الأمنية المصرية عن مخطط إخواني جديد برعاية التنظيم الدولي للجماعة يستهدف (تصعيد العمليات العدائية ضد الجيش والشرطة، واستهداف المنشآت العامة والخاصة). وتهدف خطة الجماعة من خلال عملها هذا، لإعاقة تنفيذ خريطة الطريق، ووضع العصي في دواليب خريطة المستقبل، وبخاصة الاستفتاء على الدستور، إلا أن الجيش والشعب المصري لن يسمح للجماعة بتحقيق رغباتها الدنيئة ومصادرة مصر الثورة والكرامة والحرية الحقّة.

العدد 1194 - 15/04/2026