من الصحافة العربية العدد 619

بين قذيفة وأخرى… (ورشة الأمل) مستمرة

ثلاث سنوات مرت على ال 15 من آذار (مارس) 2011. الانتفاضة المجهضة سرعان ما تحوّلت إلى شلال دم هادر، جارفاً الآلاف من الشهداء والجرحى، حتى باتت شهرزاد الجديدة عاجزة عن رواية كل حكايات الجحيم السوري. كيف كان هذا الجرح في مرآة الثقافة والإبداع والفنون؟ وهل استطاعت الأعمال التي توالدت وتناسلت من الأزمة أن تعبّر عن هول الكارثة؟

لم تتمزّق خريطة المثقفين السوريين، كما هي حالها اليوم. قبل الحراك بقليل، لن يخطر في بال أحد أن يهجر وليد إخلاصي شوارع حلب ليستقر في الصومال، ويتأمل سفن القراصنة بدلاً من حجارة القلعة، أو أن يلجأ فراس السوّاح إلى الصين ليكمل ترجمة (كتاب التاو) في بلاد بوذا، وأن يغادر نزيه أبو عفش عزلته الدمشقية إلى لبنان، ويعبر صالح علماني وعاصم الباشا البحر المتوسط إلى الأندلس. قائمة طويلة لا تنتهي من المهاجرين، بأسماء لامعة، وأخرى ركبت الموجة بمجدافي الشعار والهتاف.

لعلّنا نحتاج إلى عصا خبراء الخرائط كي نحصي الأماكن التي شهدت هجرات عشرات المثقفين السوريين إلى مختلف أصقاع العالم. منفيون أم مهاجرون أم هاربون من الجحيم؟ لا إجابة حاسمة في بلاد تتبادل الخنادق والمتاريس والسهام المسمومة. يصعب استيعاب تحوّلات المشهد، كأن ينافح العلماني عن طائفته، ويدافع القومي عن عشيرته، ويُساجل المفكر ما بعد الحداثي في خصوصية مذهبه. كل ذلك حدث خلال الألف يوم الماضية. شهرزاد الجديدة ليس بوسعها أن تروي كل حكايات الجحيم السوري، إذ وجدت نفسها حيال أضخم وليمة للافتراس الجماعي. هاملت الأمس يصعد سلالم مسرح القباني مغادراً خشبة المسرح إلى إيثاكا متخيّلة، بقارب مثقوب وأوهام شكسبيرية، من دون أن يجيب عن سؤال: (كيف تصنع ثورة هناك، بعدما هربت من نارها هنا؟).

سؤال سوف يبقى معلّقاً في فضاء الاتهامات المتبادلة، والاصطفافات الحادة، ذلك أنّ ثقافة التخوين هي العملة الوطنية الوحيدة التي يتداولها الجميع في بورصة البلد المنهوب. في هذا المقام، علينا أن ننبش أحشاء مواقع الإنترنت لمعرفة حجم معارك كسر العظم بين محاربين افتراضيين، معظمهم من وزن الريشة في حلبة الملاكمة، فيما عدّاد الموتى كان يعمل في مكانٍ آخر بطاقته القصوى. كما أننا لن نلتفت بجديّة إلى ورشات العاطلين من العمل والمخيّلة الذين وجدوا ضالتهم في مقاولات صغيرة، على هيئة مواقع إلكترونية، وجرائد مناطقية، ومنظمات حقوقية وهمية، وأشرطة سينمائية مصنوعة على عجل، ومراكز بحوث غامضة، وألقاب تسبق أسماءهم على الشاشات، كأن يتحوّل الروائي إلى خبير عسكري، والشاعر المغمور إلى مفكّر، والهارب من الجندية ما قبل الحرب إلى موزّع صكوك غفران وشهادات حسن سلوك.

المسألة أكثر تعقيداً، مما يظنه بعضهم، في بلاد فقدت هيبتها، وأضاعت أختام حضارتها القديمة. وإذا بها تقف في عراء الهمجية، تتناهبها ضباع المهاجرين، ويلتهم ما تبقى منها ثعالب الأنصار، بقاموس هجاء ضخم يطول كل الأعناق.

بلاد عارية تجللها عباءة ثقافة الضغينة والثأر وتصفية الحسابات الشخصية، في أكبر عملية إعادة تموضع، وفقاً لأحوال الطقس وجهة مستلم البريد وحجم الجعالة. ينتصر المثقف العلماني للعمامة تارةً، وللخوذة طوراً، تبعاً لمصلحته الطارئة، غير عابئ بمن يحتضر حوله وبسببه. هكذا تصدّر المشهد المثقف الطارئ، ممن أغراه الحساء الساخن للثورة، وعسل الذات المتضخّمة، متكئاً على أمجاده في الفايسبوك فقط، فهو يجلب مئات اللايكات بدقائق، مقابل عبارة نارية في هجاء الاستبداد عن بعد، فيما لن يتمكّن مثقف معروف من تحصيل ربع محصول الأول، من قمح الشجاعة وطواحين الهواء. اخترع بعض المثقفين السوريين خلال ثلاث سنوات من الحرب، بلطة حادة لقطع الأشجار العالية بدقائق، استجابة لثقافة الأرض المحروقة، تحت شعار اجتثاث ثقافة الأمس بكل رموزها وأيقوناتها. حتى أنّ أحدهم كتب اعترافاً صريحاً بأنه ندم لزيارة ضريح سعد الله ونوس قبل سنوات، ومن كان يعتز بالتقاطه صورة مع أدونيس في أحد المهرجانات الشعرية، يتفرّغ اليوم لهجاء شاعره المقدّس بذريعة أن أدونيس يدافع عن طغيان السلطة، فيما هو يرتدي البيجاما، ويدير المعارك في الموقع الأزرق، مما وراء البحار، ثم يحصي ضحاياه من الخصوم. لم تتوقّف المعارك عند حدود الشوارع الخلفية للثقافة السورية، بل تجاوزتها إلى الساحات الكبرى. ها هو ذا العلماني صادق جلال العظم يدافع من بلاد غوته عن (مظلومية السنّة) في مواجهة صريحة مع أدونيس ومواقفه المضادة. كما سوف يستهجن بعضهم منح نزيه أبو عفش (جائزة العويس الثقافية) التي كانت في الأمس القريب، بالنسبة لهؤلاء أنفسهم (جائزة نفطية مشبوهة).

رغم هذه الحروب التدميرية التي تستخدم الكيبورد كنوع من السلاح الأبيض، إلا أن دمشق تحاول لملمة جراحها وندوبها ومحنتها الطويلة، بما تبقى من مثقفيها، بعيداً عن الثقافة الرسمية التي تشكو في الأصل من فقر دم مزمن.

هكذا، انتشرت مجموعة من الملتقيات الأدبية والمسرحية والموسيقية المستقلة في أحياء دمشق، لإعادة الروح إلى (ورشة الأمل) بين قذيفة وأخرى. ثقافة الحاجز حوّلت أحياء دمشق إلى مربعات متباعدة، فيما ينهمك آخرون بفحص تضاريس الجغرافيا السورية مجدّداً، وينفضون الغبار عن وثائق وخرائط سايكس بيكو لإعادة رسم بلاد، كان ابن جبير قد وصفها يوماً، بأنها (جنّة المشرق)، قبل أن ينسف (لورانس العرب) سكة قطار دمشق، حيفا، الحجاز.

جنّة المشرق أم جنّة البرابرة؟ ثم هل علينا أن ننظر بتبجيل إلى النص الركيك لمجرد وجود دمغة الثورة مع توقيع صاحبه؟ وهل علينا هدم أساس البناء الثقافي الذي لم تطله التشوهات، في غياب الدعائم الصلبة لنصّ اليوم الرخو، أم علينا أن ننتظر قليلاً، ما ستفرزه مطحنة الحرب، خارج عبثية المشهد؟ لعل ما تحتاجه الثقافة السورية، في اللحظة الراهنة، أن تقوم بإزاحة المقاولين الطارئين عن المشهد، هنا وهناك، في الداخل والخارج، وتشذيب حقولها من الأعشاب الضارة التي نبتت في الوقت الضائع، وتفعيل صوت العقل وحده، بوعي خلاق يعيد رأس المعري المقطوع، وتمثال أبي تمّام إلى مكانهما في الذاكرة، وإلغاء صكوك التخوين والتحريم والعنف اللفظي المتبادل، كي تتنفس المدوّنة السورية هواءً آخر… هواء لم تلوثه الأختام الجاهزة، والهويات المهتزّة، وأجنحة الطواويس.

خليل صويلح

(الأخبار)، 15/3/2014

 

خشب أغلى من الذهب!

ثلاثية (الشعب والجيش والمقاومة) خشبية؟ وماذا في ذلك؟ شرف عظيم أن توصف تلك الثلاثية بالخشبية. ألم يكن الصليب الذي احتضن آلام السيد المسيح من خشب لا من ذهب؟ وبعد هذا المفصل الكبير في تاريخ الإنسانية ألم ترتفع القيمة الروحية للخشب فصار أغلى من الذهب؟ ولو وجدت في زمننا هذا قطعة صغيرة من خشب الآلام النفيس ألا يساوي ثقلها ذهب الأرض وأكثر؟

وصليب المقاومة هو كذلك من نوع هذا الخشب النفيس الذي قاوم عليه السيد المسيح واحتضن عليه بآلامه آلام الإنسانية كلها. وماذا عن النبي موسى وعصاه التي شطر بها البحر ممراً لقومه، ألم تكن من خشب لا من ذهب؟ ثم حطم بها الصنم الذهبي حين وجد قومه ساجدين له وقد أعماهم بريق ذهبه الأصفر؟

ثلاثية (الشعب والجيش والمقاومة) أغلى بكثير من الذهب، فهي من الدم المسبوك لشهدائها البواسل الذين حطموا أسطورة العدو الذي لا يُقهر، فقهروه وأجبروه على الاندحار باكياً إلى فلسطين المحتلة بعد أن أذاقوه مرارة الهزيمة.

ويقولون: ولكن ما فعل المقاومة في سورية وهل ضلّت طريقها؟ ونقول لهم: قد ذهبت إلى هناك لتثأر لأبي العلاء من هؤلاء القادمين من أعماق الجاهلية الأولى الذين استضعفوا رأسه المنحوت من حديد الحضارة الإنسانية فقطعوه لأن إرثه الفكري يخيفهم. لا يمكن لجيش في أي دولة أن يكون قوياً بلا سقف يحميه، وها هي ذي صواريخ المقاومة البعيدة المدى تقف جنباً إلى جنب مع الجيش ويداً بيد لتروّع العدو وتقضَّ مضاجعه لو فكر في الاعتداء على هذا الوطن الصغير الذي يقف وحيداً ويجابه ويقضي على (سرطان العرب) الإسرائيلي الذي أصيبوا به وأصيبت به فلسطين.

لا يريد تجار الهيكل عندنا أن يكون لبنان قوياً، حفاظاً على مصالحهم وحرصاً على ذهبهم، وهم يريدون العودة إلى مقولة (قوة لبنان في ضعفه). ونقول لهؤلاء: هل كانت قوة الأنبياء في ضعفهم؟ حتى فلسفة اللاعنف التي مارسها المهاتما غاندي هي قوة، ثم ألم يدخل نبي الإسلام مكة بعشرة آلاف مقاتل وسيوفهم في أغمادها؟

ثلاثية (الشعب والجيش والمقاومة) ليست ذهبية بل خشبية، لأن كل سفينة صُنعت من ذهب تغرق وكل مقاومة أعماها بريق الذهب ضلّت.

وتبقى أرزة لبنان تتوسط بيرقه، وهي التي بنى من خشبها أجدادنا سفنهم، وبنى منها نوح عليه السلام (ذات الألواح) التي أنقذت البشرية جمعاء من الغرق.

عاصم ستيتية

(السفير)، 10/3/2014

العدد 1191 - 18/03/2026