الغرب فتت ليبيا… ماذا بعد؟

كأنما لم يكن يكفي الليبيين ماعانوه من سلبيات سياسات زعيمهم السابق، قائد ثورة الفاتح العقيد معمر القذافي ومزاجيته في التعامل الفردي مع القضايا الليبية الداخلية وتعقيداتها، أو علاقة بلاده مع جيرانها (عرباً وأفارقة) وصولاً إلى تسميته ملك ملوك إفريقيا.. وبالتالي انعكاسات ذلك كله على شبكة العلاقات الليبية عموماً. إذ مهّدت طريقة حكمه الداخلي أولاً وأساساً، في مجتمع لم يرتق إلى مستوى معين من التطور الاجتماعي، رغم ثرواته الهائلة، وكتابه الأخضر، وغياب الحياة الحزبية – السياسية.. كذلك أسلوب وطبيعة علاقاتها مع الآخرين أصدقاء ومناوئين، مهدت لارتدادات وانقلاب من سماهم ب(الأصدقاء) و(الحلفاء المضمونين)، لطبيعة نظامه، وصولاً إلى التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية الليبية، مستفيدين من رموز وشخصيات، ارتضت أن تكون أدوات للآخرين، إضافة إلى الخطأ (الدولي) الكبير في كيفية التعامل مع قرار مجلس الأمن، حول حظر الطيران فوق الأراضي الليبية، بهدف حماية المواطنين الليبيين، أي الشعب الليبي، من (بطش) العقيد، القرار الذي تحول إلى تدخل فظ مباشر في شؤون دولة ذات سيادة، بمساعدة بعض (المستعربين) وصمت بعضهم الآخر.

ومنذ إسقاط نظامه الذي لم يستطع الصمود أسابيع قليلة أمام هذا التدخل الخارجي الغربي عموماً، والفرنسي – البريطاني خصوصاً، إضافة إلى الدعم الواسع والكبير الذي تلقته هذه الجماعات والرموز (المعارضة) على اختلافها وخلافاتها وتنوعها، إلى قيام سلطتي بنغازي وطرابلس مدخلاً لغزو البلاد بأسرها، كشفت الحقائق تباعاً، وبشكل شبه أسبوعي، عن هشاشة وضع (الدولة) الليبية، و(مؤسساتها) الإدارية، وصولاً إلى اختزالها بالزعيم وأجهزته ودائرته الضيقة جداً، إلى درجة قد يترحم البعض على شبه الدولة الذي كان قائماً، مقابل حالة الفلتان الأمني والصراع القبائلي – المناطقي، اليوم، المترافق مع ظهور المجموعات المسلحة الأصولية والإخوانية، والتفكك السريع لما  كان موجوداً من مؤسسات وانعكاساتها على ليبيا ككل.

فقد انتهى دور المجلس الوطني الانتقالي في طرابلس برئاسة مصطفى عبد الجليل، بعد اغتيال العقيد (ومايدور حولها من استفسارات وأسرار، قد تطيح بالعديد من الزعماء وليس فقط بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي)، وغابت الوجوه التي طالبت بتغيير (ديمقراطي) أولي، وبضمنها ممثلون ورموز من نظام القذافي في ممثليات ليبيا الخارجية، وانشقاقات ما سمي زوراً بكتائب ليبيا المسلحة وميليشياتها.

وتواجه ليبيا راهناً، العديد من الإشكاليات التي تمسها كدولة، أو حتى بقائها كفيدرالية بين أقاليم برقة، طرابلس، سرت.. كما تواجه فلتاناً أمنياً مناطقياً وقبائلياً يمسك بترسانة عسكرية ضخمة تصدّر وسائل القتل إلى المجموعات الأصولية والجهادية في أكثر من 14 دولة، وبضمنها أو في الصدارة منها سورية.

وتزداد الأمور تعقيداً في ظل انعدام الإدارة (الحكومة المركزية) في البلاد، مقابل سلطات مناطقية يحدد طبيعة توجهاتها القائمون عليها، وبخاصة حول مسألتين رئيسيتين:

الأولى: وتتجلى في ضرورة وأهمية استتباب الأمن في ليبيا عموماً، ووقف معاناة الليبيين من الاقتتال الدائر، والتناحر المناطقي- القبائلي، والأهم هو خطورة هذه المسألة على وحدة ليبيا، التي لم تعد تشكل، ولا نعتقد أنها ستشكل في المدى المنظور أهمية للدول التي غزت ليبيا واحتلتها، تحت لافتة (دع الليبيين يتقاتلون) إلى ما لا نهاية.

الثانية: وتتلخص في الحرص الغربي- الاحتكاري الشديد على ضمان تدفق مصادر الطاقة الليبية الهائلة (نفطاً وغازاً)، وعلى شبكة أنابيبها ومرافئ تصديرها إلى الأسواق العالمية القريبة، والمقصود القارة الأوربية، وبخاصة دولها الجنوبية.

أما مسائل (التشويش) الليبي السابق، أو التدخلات في شؤون دول الجوار تحديداً، على كثرتها، فهي خاضعة أيضاً لابتزازات أصحاب القرار الفعليين، والقائمين على مقدرات الاقتصاد الليبي الواهن والهش بنيوياً، والمعتمد أساساً، وربما فقط للدقة، على تصدير الطاقة. وأكدت الصراعات التي عاشتها في مرحلة الأسابيع الأولى، إلى ما بعد الإطاحة بالقذافي، وحتى تاريخه (نقصد إقصاء (البرلمان المؤقت) علي زيدان رئيس الوزراء الأخير، وفراره من ليبيا عبر مالطا إلى ألمانيا، التي يتمتع فيها بالجنسية الألمانية، بعد أن خُطف في تشرين الأول من العام الماضي، ومواجهته تهمة إهدار المال العام على خلفية تقرير ديوان المحاسبة لعامي 2012-2013 الصادر في شهر أيلول الماضي)، ثم تكليف (البرلمان المؤقت) عبدالله الثني وزير الدفاع، برئاسة الحكومة المؤقتة، الذي أعلن عن إبقائه على الحكومة الحالية (المؤقتة) بتركيبتها الحالية، بعد عودة الوزراء الخمسة (من حركة الإخوان المسلمين إلى عضويتها)، رغم إعلان عمر حميدان الناطق باسم البرلمان: (أن حكومة الثني هي حكومة تسيير أعمال لمدة أسبوعين، ولا يحق لها إبرام اتفاقيات أو معاهدات بمبالغ كبيرة إلا بالعودة إلى البرلمان).

ليبيا مهددة بالتقسيم أو الفيدرالية الفضفاضة في أقاليمها الثلاثة، ويسيطر ثوار الزنتان، كذلك مصراتة، وغيرهم، على مناطقهم التي يزداد فيها الفلتان والنزاع الأمني- القبائلي المناطقي.. ويبدو أن همّ (البرلمان المؤقت) الرئيسي يتلخص في استعادة عائلة القذافي وحاشيته والمقربين منه من الدول التي هربوا إليها، وآخرهم الساعدي القذافي- مقابل صفقة فرنسية مع النيجر قدرت بأكثر من 4 مليارات دولار- بعد استعادة عبدالله السنوسي أمين المخابرات العامة، أو صاحب الصندوق الأسود للقذافي كما يسميه الغرب، بعد إلقاء الغرب القبض عليه في نواكشوط.. كما يبدو أن مهمة تزويد المجموعات والعصابات المسلحة، وخاصة في دول الجوار، وتصدير السلاح الليبي، هي أيضاً خاضعة لحوارات وتقديرات القائمين شكلاً على الحكم في ليبيا، والفاعلين الحقيقيين في توجيه سياساتها. وربما هذا ما اضطر محمود جبريل، رئيس الوزراء السابق، إلى التحذير من مخاطر اعتماد أساليب نظام العقيد القذافي نفسه (هذا الرجل -جبريل- غاب تماماً عن الأحداث وتطوراتها)، كما فعل غيره من رموز النظام السابق، ومنهم ممثل ليبيا في الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم.. إلخ).

أما الزعماء الآخرون الذين صنعوا هذه (الثورة) بدعم خارجي، فيبدو أن كلاً منهم يتدبر أموره، فيما البلاد تعيش حالة من الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار والهيئات والمؤسسات، وهذا ما لا يزعج مرة أخرى من ساهم في احتلال ليبيا مجدداً، مادامت مصالحه مؤمنة، ومصادر الطاقة تصل إلى أسواقه.

إن هذه التجربة منذ قيامها حتى تاريخه، تحتاج إلى تمحيص وتدقيق برجالاتها، ورموزها، وأدوارهم، وخاصة من اختفى منهم، أو اعتزل، أو اضطر للابتعاد عن مراكز القرار، وعن الدائرة الضيقة التي حكمت ليبيا، وإن على الليبيين، أولاً وقبل غيرهم، أن يدركوا أن ليبيا تتجه في ظل ما يمكن تسميته ببساطة بالخراب الكبير وانعكاساته الكارثية أيضاً، لا على ليبيا فقط، وإنما أبعد منها أيضاً.

العدد 1191 - 18/03/2026