فنزويلا تنتصر لتشافيز مجدداً
ينظر بخصوصية إلى الانتخابات الرئاسية الفنزويلية (الطارئة)، التي جرت بعد أربعين يوماً على وفاة الرئيس هوغو تشافيز فرياس، وتنافس فيها المرشحان، الرئيس بالوكالة نيكولاس مادورو (50 عاماً)، ومرشح المعارضة اليمينية هنريكي كابريلس (40 عاماً). وإذ تحدد هذه الانتخابات طبيعة توجه فنزيلا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من جهة، وتؤشر بشكل كبير إلى ماهية التحولات التقدمية الجارية في القارة الأمريكية الجنوبية واللاتينية من جهة ثانية. فضلاً عن دور فنزويلا القاري والدولي الذي اختطته منذ تسلم تشافيز السلطة قبل 14 عاماً. إذ تأتي هذه الانتخابات بعد الانتخابات التي جرت في شهر تشرين الأول من العام الماضي، وفاز فيها تشافيز بحصوله على 55 بالمئة من أصوات الناخبين، مقابل مرشح المعارضة اليمينية كابريلس الذي نال 44 بالمئة من الأصوات. ومع وفاة الرئيس تشافيز في الخامس من آذار، إثر صراع طويل مع مرض السرطان، توجهت الأنظار نحو انتخابات 14 نيسان، وما ستمثله على صعيد توجه فنزيلا في ظل غياب الرئيس التاريخي، ومحاولة المعارضة ومرشحها الاستفادة من غيابه.
ورغم دور الفرد وتأثيره، فإن تشافيز عمل خلال حكمه على تجذير توجه فنزويلا اليساري شعبياً وحزبياً وحكومياً، كذلك على الصعيد القاري والدولي. وتلخص وطنياً في الاهتمام بالفئات والطبقات الكادحة بواسطة إعادة توزيع ثروات فنزيلا (تمثل رابع احتياطي نفطي في العالم) وتصحيحها بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق الطبقية فيها، وإنهاء الأمية والفقر الذي عاناه ملايين الفنزويليين. كما عمل على إنشاء الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم، وصياغة تحالفاته مع القوى اليسارية والتقدمية الأخرى، وبضمنها الحزب الشيوعي، في مواجهة تحالف القوى اليمينية والرأسمال وأصحاب الأعمال، التي توحدت في مواجهة هذه التحولات الاقتصادية – الاجتماعية، وانعكاساتها على تركيبة البلاد الطبقية.
أما على صعيد القارة، فقد بذل جهوداً كبيرة في مؤازرة القوى التقدمية واليسارية في القارة الأمريكية ودعمها، وبخاصة كوبا الاشتراكية، ونجح في إقامة منظمة أمريكا الجنوبية، التي شهدت وماتزال تحولات تقدمية منذ عقد.. فضلاً عن دور فنزويلا المؤيد للدول الوطنية ونضالات شعوبها، وبضمنها منطقتنا العربية، وتعزيز علاقات بلاده مع الدول المناهضة للهيمنة الأمريكية، والساعية نحو التعددية القطبية وعالم أكثر توازناً وعدلاً. ورغم نجاحه في الانتخابات الرئاسية المتعاقبة خلال 14 عاماً، في مواجهة تحالف المعارضة اليمينية والدعم الأمريكي والغربي لها، فقد رشح في ولايته ما قبل الأخيرة مادورو (سائق الباص، ثم النقابي والناشط السياسي) وزيراً للخارجية، ثم نائباً للرئيس، وتالياً رئيساً بالوكالة بعد وفاته.
المعارضة التي واصلت توحدها وراء ممثلها كابريلس، اعتقدت أن الفرصة قد سنحت لها للفوز بالانتخابات الرئاسية في ظل غياب تشافيز. وقدرتها على هزم مادورو وما يمثله. وجاءت نتائج الانتخابات التي شهدت مشاركة كثيفة غير مسبوقة (76%)، والتي توحدت فيها مرة أخرى قوى اليسار والتقدم خلف مادورو، لتؤكد استمرار الفرز الاجتماعي- السياسي الجاري منذ 14 عاماً، وتالياً تجذره وتكريسه في البلاد، ولتثبت صعوبة العودة إلى الوراء.. في الوقت الذي أكدت فيه المعارضة اليمينية مواصلة توجهها، رغم محاولات مرشحها الرئاسي في حملته الانتخابية تجنّب التعرض لشخص تشافيز ول(المهمات البوليفارية)، وكيفية توزيع عائدات البلاد على الشعب الفنزويلي، باستثناء العلاقات مع كوبا وإمدادها بالنفط (اختط تشافيز سياسة مبادلة الكوادر والمؤهلات العلمية الكوبية بالنفط، لما فيه مصلحة البلدين). وأكدت نتائج الانتخابات الرسمية المعلنة فوز مادورو ب51% من أصوات الناخبين مقابل 49% لكابريلس، وأن الفرز والاصطفافات السياسية قد تكرست في البلاد، وأصبحت تعكس حقيقة توجهها الداخلي والقاري والدولي وانعكاساته.. وهذا ما تضمنته بشكل رئيسي حملة مادورو الانتخابية وشعاراته وخطاباته.
المعارضة التي اعترضت على النتائج، وطالبت بإعادة فرز الأصوات، وخاصة أصوات الفنزويليين في الولايات المتحدة (تقدر ب120 ألف صوت)، قابلها مادورو إيجاباً وأعلن استعداه لإعادة فرز الأصوات بعد انتخابات ديمقراطية شفافة، أشرف عليها مراقبون أجانب، وبخاصة من القارة الأمريكية الجنوبية – اللاتينية، داعياً أنصاره إلى الهدوء، ومؤكداً أن مسيرة التحول تتواصل، لما فيه مصلحة الشعب الفنزويلي وعلاقات البلاد وتوجهها.
تتصدّر مهمات ما بعد انتخاب مادورو الكثير من القضايا، وبخاصة الموقف من المعارضة (التي استفادت من غياب كاريزمية تشافيز، ومن التأييد الواضح للدول الغربية وبخاصة الولايات المتحدة لها)، وتبعات الفرز الحاد في المجتمع الفنزيلي، وتجنب الاحتكاكات والعنف الذي ستسعى إليه المعارضة، كما فعلت أكثر من مرة في عهد تشافيز وفشلت فيه.