من الصحافة العربية العدد 633

أوباما تبنّى نظرية الأسد فهل يساعده؟

أخيراً نطق الرئيس باراك أوباما بالجملة السحرية التي انتظرها خصمه بشار الأسد طويلاً. قال: (لا توجد معارضة معتدلة قادرة على الانتصار في سورية). لو أراد الرئيس السوري توصيف المعارضة، لما قال شيئاً أهم من هذه الجملة.

استكمل سيد البيت الأبيض رحلة القضاء على أحلام الراغبين بإسقاط الأسد بالقوة والمال والإعلام. سبقه إلى ذلك القادة العسكريون الأمريكيون. كان هؤلاء سبّاقين، تماماً كوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، إلى القول إن (القاعدة) اخترقت المعارضة. كانوا أيضاً سبّاقين إلى تأكيد ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية وفي مقدمتها الجيش. هم أنفسهم من بادروا ثم ضغطوا على دول المنطقة لوضع (داعش) و(النصرة) على لوائح الإرهاب.

بهذا، يكون أوباما وقادته العسكريون والسياسيون قد تبنّوا كل وجهة نظر الأسد. يستطيع الرئيس السوري، إذاً، القول في خطاب القسم في 17 تموز المقبل إن الغرب الأطلسي، وفي مقدمه أمريكا، قد تبنّى وجهة نظره حيال الأزمة والحرب في بلاده. منذ خطاباته الأولى، كان يقول إنه لا توجد معارضة معتدلة، وإن الإرهاب وداعميه هم المشكلة. ليس كلام أوباما عابراً. هو نتيجة تشخيص دقيق لواقع الحرب في سورية والعراق. لنتذكر أن سيناتور فيرجينيا ريتشارد بلاد كان قد وجّه أواخر أيار الماضي رسالة إلى الأسد يشكره فيها على (بسالة الجيش السوري في ضرب المجرمين). وفق معلومات خاصة لـ(الأخبار)، لم يكن التصريح عرضياً. سبقته اتصالات بعيدة من الأضواء شارك فيها سوريون وأمريكيون، وجرى الاتفاق على إخراج التصريح إلى العلن. كانت تلك إشارة علانية أولى، وكرّت بعدها سلسلة الإشارات في الصحف، ولكن أيضاً من قبل المسؤول السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي الذي طالب بالتعاون مع الأسد. هل يفكر عاقل أن زيارة مستشارة الرئيس السوري الدكتورة بثينة شعبان لأوسلو مجرد زيارة عابرة؟ مثل هذه الإشارات، خصوصاً في صحف قريبة من صنّاع القرار كـ(واشنطن بوست) مثلاً، لها أهدافها. غالباً ما يمهّد الأمر لتعديل في السياسة الخارجية. تسريبات كهذه تساعد الرئيس عادة على المباشرة في تغيير نهجه.

لا يمكن، بالتالي، التعامل مع تصريح أوباما كأمر عابر. تماماً كما لم يكن ممكناً التعاطي على نحو عابر مع دعوة جون كيري، من قلب بيروت، لكل من حزب الله وإيران، وعبر نص مكتوب، إلى المساهمة في الحل في سورية.

هل نحن أمام تغيير جدي إذاً؟

لننظر إلى المشهد الحالي:

– قررت أمريكا الانخراط مجدداً في محاربة الإرهاب في العراق. كيف ستتعاون مع العراقيين وتمنع الإرهاب عن العراق والأردن ولبنان من دون التعاون مع أحد أهم مصادر الإرهاب حالياً، أي سورية؟ وإذا قررت التعاون مع سورية، فمع من ستتعاون بعد تهاوي فكرة المعارضة المسلحة المعتدلة؟ هل يوجد غير الجيش؟

– أقرّت الأمم المتحدة بأن سورية سلّمت كل مخزونها الكيماوي. هذه نقطة بالغة الأهمية استراتيجياً. هذا الأمر أثبت أن التعاون مع دمشق، إذاً، أفضل من مواجهتها. ثمة من يدعو إلى تعميم المثال الكيماوي لترتيب علاقة جديدة. هؤلاء يقولون إن أحد أسباب التنافر السابق كان وجود حركة حماس ومقاتليها في دمشق، الآن هؤلاء صاروا خصوم سورية. التعاون الإقليمي والأممي مع دمشق أثمر، أيضاً، إيصال مساعدات وتسهيل مصالحات.

– تحرّكت جبهة الجولان مؤخراً. من يتابع عن قرب ما يجري يفهم أن هذه الجبهة صارت متحركة كثيراً. باتت قابلة لمفاجآت لا يعرف أسرارها إلا الطرفان المتقابلان عند الحدود، أي إسرائيل والجيش السوري وحلفاء هذا الجيش. كيف سيتم ضبط الحدود من دون كلام أمريكي مباشر مع الجيش السوري؟

– في لبنان بات انتخاب رئيس للجمهورية شبه مستحيل من دون إشراك سورية. من تابع اتصالات الأشهر الماضية يفهم أن الأمريكيين والفرنسيين أنفسهم طرقوا أبواب ايران لاستمزاج رأي دمشق. كان الجواب: (اذهبوا إلى دمشق. نحن الآن نريد إنهاء الملف النووي ونحصر مفاوضاتنا معكم به). ومن تابع كيفية تشكيل الحكومة اللبنانية وترتيب الخطة الأمنية يفهم أن إيران تشاورت مع دمشق لتسهيل الأمر، ثم تفاهمت مع الأمريكيين فضغطوا على السعودية. بعض الثمن لإيران كان أيضاً مالياً عبر الإفراج عن أرصدة لها في الغرب.

– لنلاحظ أيضاً أن الروس والسعوديين دخلوا في مرحلة التفاهمات. حصل تبادل زيارتين لوزيري خارجية البلدين في أقل من أسبوع. سورية، كما العراق، على رأس قائمة التفاهم المنشود. روسيا تريد تغيير الرياح السعودية حيال سورية. حرصت القيادة الروسية على إيصال نتيجة لقاءات السعودية إلى دمشق. تقابل هذا الانفتاح هجمة إعلامية غربية على السعودية. من قرأ أمس، مثلاً، صحيفة (تايمز) البريطانية، يفاجأ بدعوة واضحة إلى رفع الغطاء عن الرياض، على أساس أنها مموّلة للإرهاب في العراق، وتضر بالمصالح البريطانية والغربية. ليس من مصلحة السعودية أن تبقى عرضة لكل هذه التوصيفات ضدها. لا بد من تغيير المناخ خصوصاً إذا ما جرى تفاهم سياسي حول الحكومة المقبلة في العراق.. هذا سيكون أحد أثمان تغيير الموقف في سورية.

– لنلاحظ كذلك أن خيوط تفاهم أمريكي – روسي – إيراني – سعودي – سوري باتت ضرورية لوقف تمدّد الإرهاب. الهامش الذي كان متاحاً في السابق أمام بعض الدول لدعم تنظيمات جهادية بذريعة الضغط على النظامين العراقي والسوري بات الآن ضيقاً إلى أقصى حدود. على دول الإقليم أن تختار: هل هي في قطار محاربة الإرهاب، أم تبقى على قارعة المحطات تنتظر غضب الدول الساعية إلى ضرب الإرهاب؟ الاستمرار في دعم الإرهاب، يعني الانتحار مهما بلغت سطوة الإرهابيين.

الآن المعادلة صارت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. مادام أوباما نعى وجود معارضة معتدلة قادرة على الحسم. ومادامت بلاده، كما الغرب والدول الإقليمية، باتت تعتبر (داعش) و(النصرة) و(القاعدة) تنظيمات إرهابية تجب مقاتلتها حتى القضاء عليها. لا بد إذاً من التعاون مع الجيوش المحلية. هذا التعاون صار حتمياً، لأن أمريكا – أوباما لا تريد مطلقاً الانزلاق إلى حرب برية مباشرة في العراق.

ثمة من يعتقد بأن هذا سيف ذو حدين. هؤلاء يقولون إن أوباما قد يلجأ إلى ضرب النظام السوري وليس مساعدته على أساس أنه في نظرهم سبب الإرهاب. هذا كان ممكناً لو توفر بديل قوي يمكن الاعتماد عليه. وكان ممكناً قبل التفاهم الأمريكي – الإيراني. الآن انعدمت البدائل. لا يمكن ضرب الإرهاب في العراق والتفاهم مع إيران بلا انفتاح على سورية. المطلوب، إذاً، البحث عن كيفية إخراج التحوّل. من هنا بالضبط نفهم كلام أوباما. الأسد ينتظر. ثمة من سيطرق بابه قريباً، بعدما عجز عن كسر الباب. لعلهم بدؤوا بطرق الباب فعلاً.

سامي كليب

(الأخبار) 26/6/ 2014

العدد 1194 - 15/04/2026