القلق الأوربي من تصاعد الإرهاب في سورية

منذ بدء الأزمة في سورية قبل أكثر من ثلاث سنوات، لم تتخذ أوربا (دولاً واتحاداً) موقفاً موحداً وواضحاً سلباً أو إيجاباً تجاهها، وساد اعتقاد أوربي بأنها تكرار لـ(ثورات الربيع العربي)، وبأنها مسألة أسابيع أو شهور قليلة. وانعكست هذه الرؤية السلبية وإفرازاتها على السياسات والتوجهات الأوربية في التعاطي مع الأزمة السورية، وتالياً تداعياته الوطنية والإقليمية، وبخاصة دول الجوار السوري. وتجلى ذلك في الدعم الواسع للمجموعات المسلحة تمويلاً وتسليحاً ودعماً سياسياً. كذلك في غض الظرف عن توجه المئات والآلاف من أبنائها إلى سورية للقتال في صفوف هذه المجموعات المسلحة الإرهابية، التي أظهرت تطورات الأزمة على امتداد السنوات الثلاث الماضية، حقيقة توجهها، وكيفية تعاطيها مع ما يحدث في سورية وما تبتغيه منها أيضاً.

وبسبب صمود الحالة السورية في مواجهة الجهاديين والتكفيريين السوريين والوافدين إليها من جهة، وانفضاح حقيقة المواقف السياسية للأطراف السورية (المعارضة) المرتبطة، حول الديمقراطية والإصلاح والتغيير وغيرها من اللافتات البراقة من جهة ثانية، اتضحت لوحة الأزمة وعناصرها وطبيعة أطرافها أكثر فأكثر.. وأكدت المبادرات المتتالية، على كثرتها، وبضمنها وثيقة جنيف الأولى (30 حزيران 2012)، ثم (التفاهم) الروسي- الأمريكي وجولتي مؤتمر جنيف 2 عام ،2014 أن الاقتتال والصراع في سورية يختزل عملياً في طرفي المعادلة القائمة، سورية وما تمثله أولاً، والمجموعات الإرهابية – التكفيرية وحقيقة توجهاتها وأهدافها ثانياً، وبالتالي مخاطر استمرار الأزمة السورية وانعكاساتها على دول المنطقة، وعلى تنامي الحركات الإرهابية وانتشارها في دول الجوار السوري، وفي حدود ما (راهناً) في الدول التي موّلت وسهّلت تدفق الجهاديين إلى سورية وبضمنها أوربا.

إن لجم الإرهاب والتطرف الإسلاموي يتطلب مراجعة المواقف الأوربية من الأزمة السورية وتداعياتها، التي أكدها اجتماع وزراء العدل والداخلية الأوربيين في أثينا: (جميع الدول الأوربية أصبحت تدرك نقص الأدوات اللازمة لتطويق ظاهرة الإرهابيين العائدين من سورية وتلافي مخاطرها). كما أكد كبير منسقي مكافحة الإرهاب في الشرطة البريطانية بيتر فايهي (أن على السلطات البريطانية اعتقالهم فور عودتهم، لما يشكلونه من خطر محدق بعد أن باتوا متمرسين).. وبالتالي تحريضهم على البقاء. (لم تحاول هذه الدول منعهم من المغادرة)، إذ كانت تريد التخلص منهم أولاً، ومحاربة الدولة السورية بهم ثانياً)، وهذا ما أكده الكثير من المسؤولين الأمنيين والسياسيين الأوربيين أيضاً.

ورغم التباينات الأوربية في التعاطي مع ظاهرة التطرف التكفيري الأصولي، ما بين تحميل النظام السوري تبعات تجمّع الآلاف من التكفيريين على أراضيها (فرنسا)، وعدم رضا العديد من الدول الأوربية الأخرى عن الجهود المبذولة لمواجهة خطرهم (بريطانيا، ألمانيا، الدول الإسكندنافية.. إلخ)، فإن استمرار هذه الظاهرة واتساع نشاطها (هذا ما أكده جيل دو كيرشوف، منسق سياسة مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوربي، بإقراره أن أجهزة الاستخبارات الأوربية باتت تحس بالقلق المتصاعد حيال تزايد أعداد المتطرفين).

وبالتالي فإن هذا القلق الأوربي المتزايد بات يتطلب تعاطياً مختلفاً مع الأزمة السورية، بدءاً من تنفيذ وثيقة جنيف الأولى حول تجفيف الدعم للجهاديين وليس مساعدتهم، ووقف إرسالهم وتجنيدهم، وليس غض الطرف عن مجيئهم إلى سورية، وصولاً إلى مراجعة الموقف الأوربي عموماً من الأزمة السورية، وفي المقدمة رفع الحصار الاقتصادي – السياسي الأوربي عن سورية وآثاره السلبية، ودعم جماهير الشعب السوري التي تعلن يومياً رفضها التطرف والتكفير والإرهاب، وتعاني منه أيضاً.

إن حل الأزمة السورية لا يمكن أن يكون إلا عبر الحوار بين القوى السورية الحريصة على سورية دولة ديمقراطية علمانية تعددية، والتزام أوربا أولاً قبل غيرها (المستفيدون من استمرار الأزمة السورية، وإشغال سورية بقضاياها الداخلية) بوثيقة جنيف، التي نصت، مرة أخرى، على تجفيف الدعم للقوى التكفيرية الظلامية، وعلى الحوار والحل السياسي، وخاصة بعد أن أظهرت جولتا مؤتمر جنيف 2 أن الأطراف السياسية (المعارضة) والمشاركة في أعمالها (صغيرة الحجم وضعيفة التأثير والاحترام أيضاً) ولا تمثل الأطياف الوطنية والديمقراطية الحريصة على حوار يوصل إلى إنهاء الأزمة أولاً، والتوافق على كيفية التعاطي مع سورية المستقبل ثانياً.. ويضاف ذلك إلى وضوح الموقف الشعبي الغالبي والحكومي السوري المطالب بمكافحة الإرهاب، والدفاع عن البنى التحتية والمؤسساتية العامة والخاصة، وصولاً إلى عودة الأمن والاستقرار إلى ربوع سورية.. كذلك توسيع دائرة القوى والرموز الوطنية الحريصة على سورية دولة ديمقراطية تعددية، عبر الحوار والحلول السياسية.. وهنا يتلخص الدور الحقيقي الإيجابي للأطراف المنشغلة بالأزمة السورية، وبخاصة (القلقين) راهناً من التطرف والإرهاب أفعالاً وظاهرة أيضاً.

العدد 1194 - 15/04/2026