الأفول الأمريكي… واضح المعالم
الأفول الأمريكي على الساحة الدولية واضح، ولم تعد قمرة قيادة النظام الدولي محصورة بالولايات المتحدة، كما كان الأمر في العقدين الماضيين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وتفككه في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.. فروسيا عادت بقوة إلى الساحة الدولية، والصين آخذة في الصعود السياسي، علاوة على صعودها الاقتصادي، وهناك الهند ودول (البريكس) أيضاً، تطالب بإشراكها في القرارات السياسية الدولية.
أسباب الأفول
ولكن السؤال المطروح هو التالي: ما هي أسباب هذا الأفول الأمريكي؟!
إن هذا الأفول وفقاً لما يرى العديد من المحللين والخبراء الاستراتيجيين ناتج عن عوامل ثلاثة:
1- تصدّع العلاقة ما بين مؤسستي الرئاسة والكونغرس، فقد باتت الذهنية الحزبية الضيقة تسيطر على الثقافة التقليدية للتوافق الباحث عن المصلحة المشتركة للأمة الأمريكية.
2- هناك إرادة شعبية عامة أضحت تفضّل الميل إلى العزلة والانطواء، بسبب الإخفاقات المتكررة للحملات العسكرية الأمريكية الخارجية، كما جرى في أفغانستان والعراق والصومال وليبيا وغيرها من الدول.
3- وضع الرئيس الموجود في البيت الأبيض حالياً وسماته، إذ يسيطر عليه التردد والعجز عن اتخاذ القرارات في السياسات الخارجية.
ويعلق مراقبون على الأمر بقولهم: إن المناقشات الدستورية عادية ولازمة ومفيدة، ولكن ما هو غير طبيعي هو العجز عن اتخاذ القرار في قمة هرم الدولة.. فالرئيس أوباما رجل يحب الكلام والنقاش إلى درجة أنه يبدو أقرب إلى أستاذ جامعي ناجح منه إلى مخطط استراتيجي، بالمعنى الإغريقي للكلمة.. إنه يعاني الصعوبة والتردد قبل اتخاذ القرار والتمسك به بعد اتخاذه.. فبعد فوزه في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني ،2008 أعلن عن لائحة أولياته في السياسة الخارجية، وفي مقدمتها التوصل إلى حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الذي يعتبره كثير من الغربيين شوكة سامة في خاصرة الغرب. وحدد لنفسه عاماً واحداً لتحقيق هذه الغاية.. وقام بخطوات في هذا المجال منها دعوة الرئيس محمود عباس إلى البيت الأبيض، ثم لاحقاً تعيين الدبلوماسي المخضرم جورج ميتشيل مبعوثاً خاصاً للسلام، علاوة على خطابات انفتاحية على العرب والمسلمين، من أنقرة إلى القاهرة مروراً بطهران.. ولكن ما حصل لم يتطابق مع هذه الخطوات والخطابات خلال ست سنوات طوال، ولاتزال الأمور في المربع الأول، ولسبب يعرفه الجميع هو عجز أوباما عن مقاومة ضغوط نتنياهو واللوبي الصهيوني في أمريكا.
لم تعد الدبلوماسية الأمريكية فاعلة،ولم يعد يأبه لها حتى حلفاء واشنطن، بل إن هؤلاء يوجهون لها الانتقادات العنيفة علناً، وخير مثال على ذلك الانتقادات المصرية والإسرائيلية والتركية أحياناً والسعودية لإدارة أوباما.
مظاهر الأفول
أما أوجه الأفول الأمريكي وأشكاله فيمكن ملاحظتها من خلال نجم الصين الذي أخذ يلمع ويسطع بلا منازع تقريباً، وما استراتيجية الاستدارة الأمريكية نحو آسيا من قبل إدارة أوباما إلا لاستباق تغييرات جذرية في النظام الدولي الذي ستحتل فيه المنطقة الآسيوية لجهة المحيط الهادئ مركز الثقل في المستقبل القريب.
في أوربا، يراوح مكنه المشروعُ الأطلسي للتبادل الحر من دون تقدم يذكر، رغم كل الرهانات الأوربية عليه، بسبب تردد أوباما الذي لا يبدو شديد الحماس لتسريع وتيرة وضع هذا المشروع على سكة التنفيذ وتطويره.
في المضمار المالي أيضاً يظهر الخمول الأمريكي نفسه، حين ترفض واشنطن تطبيق قواعد وضعتها هي نفسها، مثل (بروتوكول بال 3) الذي يجبر المصارف على زيادة موجوداتها من السيولة لتغطية القروض التي توافق على تقديمها، وهذا البروتوكول يهدف إلى عدم تكرار الأزمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة قبل أن تنتقل إلى أوربا والعالم أجمع، ولايزال الاقتصاد الدولي يتخبط في حبائلها ويعاني من تداعياتها إلى اليوم.
خلاصة
باختصار.. لم يتمكن أوباما إذاً من الوفاء بالوعود التي قطعها على نفسه في بداية جلوسه رسمياً في البيت الأبيض، ولم يستطع اتخاذ قرارات حاسمة، خاصة بالنسبة لقضية فلسطين، بل بقي في هذا المجال أسير الضغط الإسرائيلي- الصهيوني، وبالتالي فإن كل أفكاره وكتاباته المنشورة وتصريحاته المتعددة البراقة، بقيت حبراً على ورق، وفي الوقت نفسه فإن الأفول الأمريكي آخذ في الاتساع في مقابل صعود قوى دولية أخرى تسعى بجدية وصدق إلى حماية القانون الدولي من التجاوزات والخروق الأمريكية التي حصلت وماتزال تتوالى بشكل مباشر أو غير مباشر.