وداعاً مانديلا الذي صنع مفتاح الحرية

رحل المناضل الوطني الجنوب إفريقي نلسون مانديلا الخميس الماضي، في الخامس من شهر كانون الأول، عن عمر يناهز ال 95 عاماً.

رحل ابن قبيلة ماديبا (العظيم المبجّل)، بعد أن مكث في المشفى ثلاثة شهور في حزيران الماضي.. وصف ب(أبو الأمة)، والمناضل السياسي ضد الفصل العنصري،من مواليد عام ،1918 من قبيلة الكوسا للعائلة المالكة تيمبو..درس القانون في جامعة فورت هير وجامعة ويتواتر سراند، وعاش في جوهانسبورغ. برز في الساحة السياسية عام 1952. ألقي القبض عليه مراراً لنشاطه السياسي، خاصة في حملة التحدّي التي قام بها حزب المؤتمر الافريقي.وصدر الحكم بسجنه ثلاث سنوات من1956 إلى 1961. ومكث في السجن 27 سنة في جزيرة روبن آيلاند، ثم في سجن بولسمور وسجن فيكتور فيرستر في الزنزانة رقم 46664. وبلغت مجمل سنوات سجنه ثلاثين عاماً.. واحتل المرتبة الأولى بين سجناء العالم آنذاك! انتخب رئيساًلجنوب إفريقيامن 1994 الى 1999وهو أول رئيس أسودجلس على كرسي الرئاسة، في انتخابات متعددة وممثلة لكل الأعراق.. رئيس قومي إفريقي ديمقراطي اشتراكي، شغل منصب رئيس المؤتمر الوطني الأفريقي في الفترة من 1991 إلى 1997 والأمين العام لحركة عدم الانحياز من 1998 إلى1999 .

قالت الروائية جيليان سلوفو، وزيرة الإسكان في أول حكومة شكلها مانديلا، وابنة أحد قياديي جزب المؤتمر:(عليك أن تجلس في المنزل التقليدي الإفريقي.. وحينما يأتي اللبن ينبغي أن تشترك في شربه من الوعاء ذاته مع من يجلس حولك.. هذا هو العالم الذي نشأ فيه مانديلا..).

كان مانديلا قائداً سياسياً ثورياً، لم يكن قائداً للمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات فقط، ولم يكن مضحياً في سبيل وطن خال من التمييز بين البشر ودفن إلى الأبد الفصل العنصري، الذي بنت قواعده أقلية بيضاء عام ،1948 بل رسم خريطة جنوب إفريقيا المستقبلية، كقائد سياسي محنّك وفرد من ملايين المواطنين، لعب دوراً جمعياً للتحرر من عبودية البيض واستغلالهم واحتكارهم للحياة السياسية والاقتصادية، لذلك قاد مانديلا المفاوضات مع الرئيس دي كليرك، لإلغاءالفصل العنصري وإقامة انتخابات ديمقراطية متعددة عام 1994 .

وشكَّل مانديلا حكومة وحدة وطنية وأسس دستوراً جديداً، ولجنة للحقيقة والمصالحة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان.

واتَّبعت حكومته السياسة الاقتصادية الليبرالية. واتَّخذت مجموعة تدابير لتشجيع الإصلاح الزراعي ومكافحة الفقر وتوسيع نطاق الرعاية الصحية.

اكتفى مانديلا بولاية رئاسية واحدة، وامتنع عن الترشح لولاية ثانية، فخلفه نائبه تابو إيمبيكي. ولم يجلس مانديلا في البيت يقرأ الصحف ويداعب أحفاده، بل تابع نشاطاته الاجتماعية، وركَّز على العمل الخيري في مجال مكافحة الفقر وانتشار الإيدز من خلال مؤسسة نيلسون مانديلا. وللعلم فإنه في عام ،1962 بالتعاون مع الحزب الشيوعي في جنوب إفريقيا، أسّس منظمة أومكونتووي سيزوي.

اجتاز اسم المناضل مانديلا الحدود الوطنية وقفز إلى العالمية، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية العدو اللدود للشعوب ولحركات التحرر الوطني، اعترفت به مناضلاً ضد الاستغلال والحرية والفصل العنصري.

وتابع مانديلا – بعد تقاعده – تحرّكه مع الجمعيات والحركات المنادية بحقوق الإنسان حول العالم. وتلقَّى عدداً كبيراً من الميداليات والتكريمات من رؤساء وزعماء دول العالم. وكان له آراؤه الخاصة بالقضية الفلسطينية المثيرة للجدل في الغرب، المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، والتنديد بالصهيونية. وزار سورية عام 2000 ودعم موقفها في استرجاع أراضيها المحتلة، وعبر عن معارضته الشديدة للسياسة الخارجية للرئيس جورج دبليو بوش.

في عام 2010 أقرت الأمم المتحدة تكريماً لذكراه، وللإرث الذي سيتركه للإنسانية، أقرَّت يوم ميلاد نيلسون مانديلا (الثامن عشر من تموز) الحاصل على جائزة نوبل للسلام يوماً عالمياً للسلام.

وآخر إطلالة عامة له كانت في الثامن عشر من تموز 2012 ، قال: (أنا سعيد كوني عشت إلى هذا الحين، وآمل أن تكون حياة العديدين من جنوب إفريقيا، والكثيرين من حول العالم شبيهة بحياتي، ما يسمح لهم أن يكونوا محط تقدير).

وقال: الحرية لا يمكن أن تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حرَّاً أو لا يكون حرَّاً.. وقال أيضاً: إذا خرجت من السجن في الظروف نفسها التي اعتقلت فيها، فإنني سأقوم بالممارسات نفسها التي سجنت من أجلها!

أما رئيسة البرازيل ديما روسيف فقالت: مانديلا هو المثل الذي سيقود كل الذين يناضلون من أجل العدالة الاجتماعية والسلام في العالم.

حياته كانت عقوداً من النضال الحافل بالشجاعة ومقاومة التمييز العنصري والدفاع عن كرامة وحرية جنوب إفريقيا واستقلالها .. ومن أجل الديمقراطية والسلام وعدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

سيخلد التاريخ اسم المناضل الثوري نيلسون مانديلا.. وسيتعلم الشباب وأجيال المستقبل الدروس النضالية.. وستظل تجربة التحالف بين الحزب الشيوعي في جنوب إفريقيا وحزب المؤتمر، أنموذجاً يقتدى به في النضال الوطني.

العدد 1190 - 11/03/2026