وجيه البارودي… ابتكار وتقليد!
قليلون أولئك الشعراء الذين جمعوا بين خفة الظل والالتزام الأخلاقي والوجداني والوطني وحاربوا بالكلمة مختلف الظواهر السلبية التي تركتها آثار الاستعمار في بلادنا العربية، ولعل وجيه البارودي الشاعر والطبيب الذي يعتبر من أبرز شعراء الغزل والإصلاح الاجتماعي في سورية في العصر الحديث، وهو أحد أقطاب هذا التيار الذي وإن حُمِل مضامين ساخرة إلا أنه في تناوله للواقع الاجتماعي كان مرتبطاً ارتباطاً عضوياً مع هذا الواقع.
ولد البارودي في مدينة حماة عام 1906 م ونشأ وترعرع في بيت ترف وغنى وجاه عريض، كان الابن البكر لأبيه وأمه، وقد كُتب له في بداية حياته أن يتعرف على واقع سورية مطلع القرن العشرين، وأن يتأثر مثله مثل شعراء جيله بمجمل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بالمنطقة وتركت أثراً واضحاً في شعره.
في عام 1918 التحق وجيه بالجامعة الأمريكية في بيروت، وفي هذه المرحلة بدأت تتكون شخصية وجيه البارودي بأبرز ملامحها وسماتها، ولعل أهم ما أثر في حياته في أثنائها أنه فجع بوفاة أمه عام 1923م وهو لما يزل في السابعة عشرة من عمره، وقد كان فقده هذا نقطة تحول أساسية في توجهاته الأدبية نحو الشعر الذي وجد فيه البارودي المعبر الأول عن آلامه الإنسانية.
خرجت أشق طريق الحياة بسيف اليقين ودرع الثبات
وحيداً أناضل.. لا والد معين وأمي في الهالكات
وبفعل النشاط الثقافي والسياسي المتوتر الذي بدأ في الربع الأول من القرن الماضي بدأت تتشكل علاقات وروابط بين شاعرنا الفذ وأبرز شعراء وأدباء تلك الفترة من أمثال إبراهيم طوقان وعمر فروخ وطالب جميل، وكانت نتيجة تلك العلاقات تأسيس جمعية (دار الندوة) التي كانت تعقد جلساتها في مهاجع الجامعة، وفي ردهاتها وممراتها، وحدائقها وعلى شاطئ البحر الملاصق لها. وكانت مادة هذه اللقاءات جميعها هي سماع الشعر ونقده وكتابته وإبداعه منفردين ومشتركين. ومن الجدير بالذكر أن البارودي نظم أول مقطوعة شعرية وهو في العشرين من عمره، وكانت البداية موفقة دون أية محاولات أولية.
* وقد تميز شعر البارودي بسمتين أساسيتين
1. الحالة النواسية التي برزت في ديوان الشعر العباسي القديم، والتي عكست في جوهرها حالة تمرد على الواقع آنذاك، وقد تجلت هذه الحالة في أغلب أشعاره التي تميزت برفض المألوف والرغبة في الانعتاق من القيود الصارمة، ولعل السبب في تجذر هذه الحالة في شعر البارودي هو الجانب المهني في حياته، فبحكم أنه الطبيب الأكثر شهرة في حماة آنذاك. فقد كان على تواصل دائم وعضوي مع محيطه بمختلف إيجابياته وسلبياته فلا يوجد أحد في بيوت حماة إلا زار الطبيب الشاعر وتعالج على يديه، وقد تناول البارودي تلك العلاقة بأكثر الطرق بساطة وغرابة في الوقت نفسه حيث يقول:
تمر سيارتي العجفاء في طرق شعبية ليس فيها لمحة لغني
تراكض الصبية الأغرار تتبعني مهما فررت فراري ليس ينفعني
هذا يصيح (وجيه) أمس أنقذني من الهلاك، وهذا أمس طهّرني
وأقبلت أم محمود مزغردة جاؤوا إليّ به ليلاً فولدني
وتلك طابخةٌ في الدريب ساهرة على (السليقة) نادتني تُضيّفُني
2. حالة التقليد والابتكار في الحب، التي تشكل أهم السمات الشعرية لغزل البارودي الذي يحمل في جوهره مسارين مختلفين تماماً: مسار مثالي أثيري وآخر مادي واقعي. وبالنظر إلى النتاج الأدبي لوجيه بارودي نجد أن جزءاً كبيراً منه ارتبط بالمرأة وعالج أكثر الموضوعات حساسية في وقته خصوصاً في بيئة الشاعر المحافظة، يقول البارودي:
الحب في بلدي (حماة) رذيلة وعداء حواء يعدّ تديّنا
في هذا الجو الذي تسرق فيه لحظات الحب في الخفاء جاهر شاعرنا بكل آرائه وأحاسيسه تجاه المرأة، وحاول أن يؤثر في محيطه تارة كشاعر مغرق في عشقه العذري:
كوني بقلبك لي فلست متيماً بنحول خصر أو فتور جفون
أسمو بحبك فوق آثام الهوى واللذة الدنيا لمن هو دوني
وطوراً كعاشق مفتون يحركه الشوق والحنين:
أهيم بنهدها وأعود ثانيةً إلى فيها وشأن لداتها بالأمس أهجرها وأسلوها
كفاكهة أمص ألذ ما فيها وأرميها أرى في غيرها معنى غريباً لم يكن فيها
وأخيراً لا بد من القول إنه وعلى الرُّغمِ مِن شاعِرِيَّة البارودي الفَذَّةِ، وجَزالَةِ أْلفاظِهِ وروعتها، إلا أنَّه كانَ مُقِلاً في شِعرِهِ، الأَمرِ الّذي حَدَّ كثيراً مِنْ شُهْرَتِهِ في مُحيطِهِ العربيّ…! فقد تَرَكَ لنا ثلاثةَ دواوينَ فقط، صاغَ فيها مُلْهَماتٍ وجدانيَّةٍ وفلسفيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ، اسْتَمَدَّها مِن حَياةِ مُجْتَمَعِهِ وبيئَتِهِ، وصَوَّرَها على شَكلِ لوحاتٍ شِعرِيَّةٍ باهِرَة:
شِعْري صَدىً يَنْحى بِذاتي. يَظَلُّ في أجزاءِ روحي هائِماً يَتَنَقَّلُ
حتّى إذا اكْتَمَلَتْ صِفاتُ جَمالِهِ فهوَ الجَّمالُ بِعَيْنِهِ أو أَجْمَلُ
أَرْسَلْتُهُ لَحْناً بِروحي شارِداً فبِكُلِّ روحٍ يَلْتقي يَتَغَلْغَلُ
شِعري حَياتي منْ أرادَ تَعَرُّفاً بي… فهوَ عنّي التُّرْجُمانُ الأفَضَلُ
إن شعر البارودي بأجمعه يمثل معاناة حقيقية، وتجربة حيّة وإن غمرها شاعرنا بالرموز. فإنه يتجلى فيها الصدق بمعناه الفلسفي والأخلاقي والفني معاً، فسلوك (وجيه) في حياته وطريقة معاشه وتصرفاته وعلاقاته لا يختلف عما تناوله في شعره، ومن هنا نجد صدقاً في التجربة وصدقاً فنياً في التعبير عن هذه التجربة إنه بلا شك مثال حي للشاعر المتجدد دائماً وأبداً.