يتكيف مع غبن الأسواق ويجابه أزماته بأساليب أجداده هكذا يواجه المستهلك ظروف معيشته

من طبيعة الإنسان التكيف مع الوضع والبيئة اللذين يعيش فيهما، مهما اختلفت الظروف المعيشية لديه. ومن مميزات المستهلك السوري أنه استطاع التكيف مع متغيرات السوق المحلية والأزمات التي يتعرض لها في الكثير من المواد الأساسية. وسنعرض هنا كيفية تكيف المستهلك السوري ومعالجته الذاتية مع الأزمات المختلفة التي يتعرض لها في معيشته، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أم من حيث الأزمات المتعلقة بالطاقة.

التحول إلى مبدأ الاكتفاء الذاتي

لجأ المستهلك نتيجة ارتفاع أسعار بعض المواد إلى تغيير عاداته الاستهلاكية واتباع أساليب قديمة جداً كانت متبعة في زمن الأجداد، لتلبية حاجته لبعض المواد الغذائية. فنتيجة ارتفاع أسعار الخضار بدأ الكثير من المستهلكين بالتحول إلى مبدأ الاكتفاء الذاتي، إذ قاموا بزراعة الخضراوات بأنفسهم في حدائق المنازل وخاصة في ريف دمشق. والغريب في الأمر أنهم قاموا بزراعة الخضار على أسطحة المنازل والشرفات، وذلك باستخدامهم العبوات الكبيرة من البلاستيك أو الفلين المخصصة لتعبئة الفواكه والخضار لدى المحلات التجارية، فقام المستهلك بتعبئتها بالتراب ووضع شتلات البندورة أو البقدونس أو النعنع وغيرها من الخضار ذات الاستهلاك اليومي له. كما أخذ بزراعة الباذنجان والكوسا والفليفلة والخيار. وكان أكثر التركيز في معظم زراعات المستهلكين على الخيار والبندورة، لعدم استقرار أسعار هاتين المادتين في أسواقنا المحلية. وباعتبار هاتين المادتين أكثر استهلاكاً من غيرهما. إذ بلغ سعر كيلو البندورة منذ فترات ليست ببعيدة 150 ليرة، ودام على هذا السعر أسبوعين أو أكثر، وما لبث أن انخفض إلى 120 ليرة ثم إلى 75 ليرة، ومع ذلك فإن السعر الأخير مرتفع مقارنة مع سعره في الفترة نفسها من العام الماضي.

وارتفعت أسعار الشتلات الزراعية، وخاصة الخضار، نتيجة زيادة الطلب عليها، وبات سعر الكيلو من شتلات البندورة ما بين 250و300 ليرة، وفي بعض المناطق يصل إلى 400 ليرة. إلا أن المستهلك وجد أن تكلفة الزراعة أرخص من الشراء من السوق المحلية، ولكن الأمر يحتاج إلى (الصبر) قليلاً لحين أن تعطي الشتلات والبذار أكلها، وذلك وفق الكثير من المستهلكين الذين تحولوا إلى هذه الزراعة والتقتهم (النور).

تربية الدواجن منزلياً

كثرت في الآونة الأخيرة عمليات شراء المستهلكين (الصيصان) وتربيتهم، إضافة إلى شراء (الدجاج البياض) الذي بلغ سعر الواحدة منها ما بين 750و800 ليرة.. وبالطبع فإن سعرها مرتفع ولكن في حال مقارنة سعرها مع سعر صحن البيض، فإنها ستكون رخيصة وفق معادلة المستهلك الذي وجد أن عملية تربية الدواجن في حدائق المنازل أو على الأسطحة هو الحل الوحيد أمامهم لمواجهة ارتفاع أسعار مادتَيْ البيض والفروج، وخاصة أن فصل الصيف لا يكلف المربي الكثير، إذ إن الدجاج لا يحتاج إلى تدفئة، كما أن طعام الدجاج (العلف) يمكن الاستغناء عنه ببعض الأطعمة الزائدة من المنزل أو بعض الحشائش والأوراق الخضراء وبقايا الخضار.

انقطاع الكهرباء دفع المستهلكين لاتباع أساليب الأجداد في إعداد مونة الشتاء

واتبع المستهلك أساليب الأجداد في تخزينهم لمونة الشتاء، فقد أدى انقطاع  التيار الكهربائي ساعات طويلة في الفترة الماضية إلى تلف كميات كبيرة من المونة لدى معظم المستهلكين، فقاموا بتجفيف الفول والبازلاء، بتعريضهما للشمس لساعات طويلة، وقام البعض الآخر بإخراج ما قام بتموينه من البندورة ووضعها على النار وتعبئتها أيضاً في أوعية زجاجية، وهو ما يسمى في العادات (بندورة مضغوطة)، وهي أيضاً لا تحتاج إلى تبريد أبداً.

في الشتاء القادم لن يستخدم المستهلك المازوت للتدفئة

وبات المستهلك يجفف الخبز بكميات كبيرة، وذلك نتيجة تعرضه للعديد من أزمات الخبز المفاجئة أو تحوطاً منه في حال تعرضت منطقته إلى أي أحداث أمنية قد تطول لأسابيع أو شهور. كما أخذ المستهلك لا يستخدم الغاز المنزلي إلا في الحالات النادرة جداً، أي مع انقطاع التيار الكهربائي حصراً وبات معظم استهلاكه (للطبخ) أو ما شابه يعتمد على الكهرباء. فالرؤوس الكهربائية والليزرية وسواها تكاد لا يخلو منها أي منزل، وبالطبع هذا الأمر رفع من سعرها كثيراً. أما بالنسبة للمازوت الخاص بالتدفئة فحالياً لا يقوم المستهلك باستخدامه، ولكن لوحظ في الشتاء الماضي أن المستهلك كان لا يستخدم المازوت للتدفئة إلا في حالات البرد الشديد فقط، وكان يعتمد للتدفئة، إما باستخدام المدافئ الكهربائية أو الحطب أو التدفئة الذاتية، التي تعتمد على الأغطية الصوفية فقط. ونعتقد في الشتاء القادم أن المستهلك لن يستخدم المازوت في التدفئة لأن سعر (طاسة) المازوت سعة 5 لترات أصبح 300 ليرة، هذا في حال استطاع الحصول على المازوت بسعره النظامي أي ب 60 ليرة، ولكن أصبح سعر لتر المازوت حالياً 120 ليرة، وهذا مؤشر خطير إلى ارتفاع سعره في الشتاء إلى حدود 150 ليرة وأكثر في السوق السوداء، لأنه في الشتاء يزيد الطلب عليه وتنقص الكميات وتستعر السوق السوداء وتجار الأزمات يستغلون حاجة المواطنين للتدفئة.

التحول إلى شراء الدوغما والغرامات فقط

أما إذا أتينا إلى (فوط) الأطفال، فقد لجأ معظم المستهلكين إلى استبدال هذه الفوط بفوط قماشية قطنية، وذلك نتيجة جنون أسعار فوط الأطفال اليومي دون وجود أي جرعة تخفف من جنونها على جيوب الأسر، وبات سعر الفوطة الواحدة أكثر من 30 ليرة، الأمر الذي شكل عبئاً ثقيلاً جداً على معظم الأسر، عدا ارتفاع أسعار الحليب وأدوية الأطفال أيضاً، لذا لجأ المستهلك إلى التراث في معالجة هذا الأمر، واستخدم الفوط القطنية لأنها أرخص من الفوط الجاهزة، ويبلغ سعر الفوطة القطنية 75 ليرة، مع الإشارة إلى أن سعرها قبل الأزمة كان لا يتجاوز 20 ليرة.

هذه البدائل التي اتخذها المستهلك في تلبية احتياجاته واتبع مستهلكون آخرون أساليب التقشف في تلبية احتياجاتهم اليومية. فمثلاً لم يعد المستهلك يشتري كميات كبيرة من الخضار، وأصبح يقتصر على شراء غرامات قليلة جداً من البندورة أو الخيار أو البطاطا، أي ما يلبي حاجته اليومية فقط. أما الفواكه فأصبحت غير مرحب بها أبداً لدى معظم الأسر، لأنها أصبحت مادة غذائية ثانوية مقابل الخضار والمواد الأساسية، إضافة إلى ارتفاع أسعارها ارتفاعاً كبيراً. كما حذف المستهلك من قائمة استهلاكه الكثير من المواد الغذائية ذات الأسعار المرتفعة ولجأ إلى الأرخص، إذ بات يشتري الأرز الدوغما (الفرط) وغير المعبأ. كما أخذ يشتري المنظفات التي تباع دوغما أيضاً، وذلك نتيجة ارتفاع أسعار المنظفات المغلفة في السوق ارتفاعاً غير منطقي. وبالطبع هذا الأمر شجع أيضاً بعض المستغلين وتجار الأزمات على تزوير بعض الماركات والعلامات التجارية المعروفة في السوق المحلية، وبيع منتجات مزورة ومغشوشة على أنها أصلية. فقد أشارت جمعية حماية المستهلك إلى وجود أصناف غذائية وغيرها متدنية الجودة في السوق بعيدة عن إشراف الجهات الرقابية تُباع ضمن المحلات وعلى الأرصفة أيضاً، وبالطبع على عينك يا تاجر.  

 ولكن بالمقابل نجد أن بعض المستهلكين، ونتيجة تخوفهم من ارتفاعات جديدة تطول السلع الغذائية الأساسية والأدوية، أخذوا بشراء كميات كبيرة من المواد الغذائية من أرز وسكر وزيوت وسمون، وبالطبع هذا الإجراء وضع المستهلكين في وضع حرج، لأنهم صرفوا مدخراتهم على شراء المواد الغذائية، إضافة إلى شراء بعض أنواع الأدوية مثل (أدوية الالتهاب والمسكنات) وغيرها، وخاصة بعد أن قيل إن هناك مقترحاً لرفع سعر الدواء بنسبة 75% في السوق المحلية.

العدد 1194 - 15/04/2026