مؤتمر جنيف 2… الالتزام بموعده ليس كل شيء!
تتكثف اللقاءات والاتصالات بشكل لافت للنظر مؤخراً حول عقد مؤتمر جنيف 2 الذي حددت الأمم المتحدة موعده في 22 كانون الثاني الجاري، في مدينة مونترو السويسرية، وتترافق هذه الجهود مع العديد من التطورات المحلية والإقليمية والدولية أيضاً المرتبطة بالمؤتمر أو المؤثرة فيه. كما تظهر في الوقت نفسه حقيقة مواقف الأطراف السورية المعنية به من جهة، كذلك مواقف الأطراف (المنشغلة) بالأزمة السورية من جهة أخرى.. وتؤكد بمجموعها انتقال التعاطي مع الأزمة السورية (ولو نظرياً) وخاصة الدولي من حالة التهديد باستخدام الخيار العسكري المتزامن مع مواصلة العقوبات الظالمة الاقتصادية وغيرها، الأحادية الجانب، إلى كيفية حل الأزمة عبر الحوار والحل السياسي.. وبالتالي نقاش آليات هذا الحل وكيفية البدء بخطوته الأولى (مؤتمر جنيف 2) واستحقاقاته.
ويؤكد اللقاء الدولي الثلاثي الأخير (20/12) (روسيا، الولايات المتحدة، الأمم المتحدة) الذي عقد على مستوى نواب وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأمريكي جون كيري، إضافة إلى المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي، الذي بحث في موعد 22 كانون الثاني، وأعقبته اتصالات هاتفية بين وزيري الخارجية الروسي والأمريكي مؤخراً، حول ضرورة الالتزام بهذا الموعد، والاتفاق الأولي على لقاء يجمعهما في باريس في 13 كانون الثاني في سياق التحضيرات لعقد هذا المؤتمر. وترافقت أيضاً مع اتصالات الوزيرين مع الإبراهيمي ونوابهما مع بعض الأطراف السورية، بحثت جميعها ولاتزال، في تأكيد موعد 22 كانون الثاني.
وإذ تؤكد هذه الجهود المكثفة أن موضوع عقد المؤتمر بات محسوماً دولياً، وإن بتباين في الالتزام الزمني والفعلي باستحقاقاته، وأن المسألة (العالقة) مرتبطة ب(المعارضات) على اختلافها وتلاوينها (ما بين المعارضة الداخلية الوطنية المؤيدة لحضور المؤتمر، وبين الائتلافيين بتبايناتهم وخلافاتهم، وطبيعة تركيبة وفد المعارضة، ومحاولة التوافق على تفاهمات مشتركة حول المطلوب من هذا المؤتمر).. فضلاً عن كيفية إلزام (الغرب) والولايات المتحدة الوكلاء الإقليميين بهذا التوجه الدولي، و(ضبضة) المجموعات المسلحة الإرهابية التي يدعمها الغرب، ويسميها ب(المعتدلة)، وكيفية التعامل أيضاً مع العصابات الإرهابية التكفيرية (شقيقات القاعدة) (داعش) و(جبهة النصرة).. إلخ التي وضعها الغرب على لائحة الإرهاب.. وفي هذا السياق ينظر إلى جهود المبعوث الأمريكي روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في سورية، غير الموفقة حتى تاريخه، والهادفة إلى حل تباينات (المعارضات) وبخاصة الائتلافيين. كما ينظر باهتمام أيضاً إلى الاجتماع القريب المفترض للمجلس الوطني الذي سيعيد انتخاب قيادته، ويبحث بشكل نهائي في موقفه من مؤتمر جنيف ،2 والذي سيعقبه اجتماع للائتلاف بأطرافه وقواه ورموزه، والإعلان عن الموقف النهائي ل(الائتلافيين).
أما قضية الدول المشاركة العربية والأجنبية، التي حددت وفودها (نحو 28 دولة) باستثناء مسألة مشاركة إيران، التي تتفق الغالبية الساحقة منهم على إيجابية حضورها (أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مؤخراً عن أهمية حضورها وإيجابيته)، فإن الاعتراض الأمريكي، حتى تاريخه، لا يجد ما يبرره، وخاصة بعد التفاهم السداسي- الإيراني حول الملف الإيراني، وتالياً الرفع التدريجي للعقوبات عليها، والإقرار بدورها الإقليمي في حل العديد من مشاكل المنطقة.
وأما الجانب الروسي، الذي أشار مراراً إلى أن الكرة في الملعب الأمريكي، الذي يفترض به، أن يضبط أوضاع (المعارضات) والمجموعات المسلحة الإرهابية، التي دعمها وأيدها، وأن يلزم الأدوات الإقليمية بالتوجه الدولي حول عقد المؤتمر، الذي أُجل مراراً بعد (التفاهم) الروسي – الأمريكي في 27 أيار الماضي، فإنه يغمز من قناة مدى الالتزام الأمريكي بتعهداته.. إذ خبر العالم، وبضمنهم العرب، لا المستعربون، مدى الالتزام الأمريكي وموافقات الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الكثير من القضايا، وحتى الاتفاقيات الثنائية أو الجماعية والدولية، وتباين رموز هذه الإدارات (الخارجية وغيرها) ومراكز القرار والنفوذ الأمريكي تجاهها، وصولاً إلى تأجيلها أو تعطيلها.
والسؤال المطروح حالياً يتمحور حول مدى الالتزام الفعلي الأمريكي ب(تفاهم) موسكو، الذي أعقب وثيقة جنيف الأولى الموقعة في 30 حزيران عام ،2012 كذلك في (قدرة) واشنطن على إلزام أدواتها ووكلائها، و(المعارضات)، وبخاصة الخارجية المرتبطة التي سوقتها إقليمياً ودولياً ودعمتها أيضاً.
وأما ما يخص الجانب السوري، فإن موقف دمشق الرسمي المبكر حول المشاركة غير المشروطة في مؤتمر جنيف ،2 تأتي استمراراً لمواقفها من المبادرات العديدة التي سبقت هذا (التفاهم)، بدءاً من مهمة الفريق الدابي (العربية)، إلى مهمة المبعوث الدولي كوفي عنان، وصولاً إلى مهمة الإبراهيمي، التي تؤكد بمجموعها حرص سورية على الحوار والحل السياسي، وأنه استكمال وتأكيد لهذا النهج وهذا الموقف، وأن سورية أبلغت مبكراً أيضاً أسماء وفدها الذي سيرأسه وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم، الذي نفترض ونتوقع أنه سيضم ممثلين عن القوى والأحزاب الوطنية التي اتخذت موقفاً واضحاً ومبدئياً من الأزمة من أيامها الأولى، تأكيداً من القيادة السورية على أن الحوار في هذا المؤتمر.. يضم وفداً سورياً يمثل الأطراف الوطنية الحريصة على سورية ووحدة أراضيها وطبيعة توجهها الداخلي الحوار والخارجي السياسي، والمؤثرة بدورها في الشارع السوري أيضاً.
فالشعب السوري بمختلف قواه وأحزابه ورموزه الوطنية، يتطلع إلى وقف نزيف الدم السوري، ومسلسل التخريب الممنهج للاقتصاد والبنى التحتية والمؤسساتية الوطنية والفردية، والهادف إلى إنهاكه وإسقاطه داخلياً. ويؤكد حرصه على الحوار والحل السياسي، وتالياً إغلاق ملف أزمة مستمرة منذ نحو ثلاث سنوات، أثبتت فشل مخططات المراهنين على سقوط سورية أو تغيير توجهها الوطني الداخلي، وطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية.
وفي الوقت الذي تتكثف فيه الجهود الدولية والإقليمية نحو عقد هذا المؤتمر، فإنه لابد من تأكيد أن هذا التغيير في المواقف الإقليمية والدولية، ما كان له أن يحصل، لولا الإنجازات الوطنية السورية الهامة والمتتابعة، وخاصة في الشهور الماضية، كما أنه مرتبط إلى حد ليس قليل، بدقة وصحة المواقف والسياسات السورية من الأزمة، وبكيفية التعامل مع أصدقائها وحلفائها الذي ساهموا إلى درجة كبيرة في تغيير المناخ الدولي الذي برز خصوصاً في الأسابيع والشهور الأولى للأزمة السورية.
وأما أزمة (المعارضات)، وبخاصة الخارجية المرتبطة، والتي يسعى الأمريكان إلى (حلحلتها) و(ضبضة) أمورها تجاه العديد من القضايا، وليس آخرها مؤتمر جنيف ،2 فإن تثبت حقيقة مرجعيات هذه المعارضات وانعكاساتها وتأثيرها على هذه (المعارضات) نفسها وعلى حقيقة مواقفها أولاً.
مؤتمر جنيف 2 الذي سيشكل، في حال انعقاده في 22 كانون الثاني الجاري، محطة هامة ومفصلية، يؤكد التحول الدولي في التعامل مع الأزمة السورية، لن يكون حلاً كمؤتمر، إذ من الطبيعي أن يتبعه جنيف 3 و.4. إلخ، وسترتبط نتائجه، إلى حد كبير، بالإنجازات الوطنية السورية أولاً، وبترسيخ قناعة المجتمع الآخذة في التجذر حول الحل السياسي ثانياً.. وأما (المعارضات) فنعتقد أن هذه المتغيرات والتطورات تملي عليها ضرورة مراجعة مواقفها ونهجها وممارساتها ومدى تبعيتها ومرجعياتها، وتالياً موقف الشارع السوري منها أيضاً.