الإطلالة الروسية الواثقة

يتميز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظرة استراتيجية شاملة وعميقة وثاقبة، إلى ما يجري في العالم من مشاكل وما يتخلله من بؤر متوترة خلقتها وغذّتها وما تزال تغذيها السياسة الأمريكية النابعة من المصالح الأمريكية الخاصة، ولاسيما أن هذه السياسة تقوم على ثابتين أساسيين، أولهما: وجوب الاستمرار في الهيمنة على العالم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، والثاني: ضمان أمن إسرائيل وبقائها متفوقة في منطقة الشرق الأوسط مع تابعية الدول المحيطة بها لهذا الكيان.

وعلى سبيل المثال كيف يطل الرئيس الروسي على بعض الأزمات الكبرى في العالم؟

فيما يتعلق بالأزمة السورية، فهو يراها انطلاقاً من نظرته الاستراتيجية إلى عالمين: أحدهما يتشكل ليصبح من الثوابت، وهو الإرهاب، والآخر مشروع ليس فقط ضد الإرهاب، بل لضمان دور كبير في عالم السياسة الدولية.

بوغدانوف، الرجل الروسي القوي، يطل على تلك الاستراتيجية، فيكون له دور الرسول الذي يسعى وراء هدف ومضمون كبيرين يشغلان الرجل الأقوى في الكرملين. إن المتابع لسياسة روسيا في ظل رئاسة بوتين يلاحظ أنها لم تعد تختلف كثيراً عن تلك السياسة التي كانت متبعة إبان الاتحاد السوفييتي، في عمقها وفي اتساعها، وأصابت دولاً كان لها فيها حضورها التاريخي ولم يتغير.. بل في ظلها نمت قوى مثل حزب الله اللبناني، حزباً يترجم استراتيجية الهدوء المحتدم الذي، إن رمى فهو يرمي إلى البعيد لخدمة تلك الاستراتيجية.

إذاً، يتحرك الروس بهدوئهم المعهود وخطاهم الثابتة المدروسة نحو مشروعهم كي تظل روسيا تتنفس الأوكسجين النقي، لأن بوتين يعرف حق المعرفة أن المقصود من مجمل التحركات الأمريكية والغربية، هو تعطيل عمل الرئة، كي يتوقف التنفس على مدى الحياة.. لكن الولايات المتحدة والعواصم الغربية الحليفة لها تتجاهل أن روسيا اليوم ليست تلك التي توقف فيها الزمن غداة أفول النجم السوفييتي في أوائل التسعينيات، ولاسيما في ظل رئاسة يلتسن لها الذي سلمها للغرب على طبق من فضة، بل هي روسيا اليوم التي تريد بقيادة الرئيس بوتين لتاريخها المحمل بقوة المكان، أن يظل على حاله من حيث المكانة التي كان يحتلها الاتحاد السوفييتي السابق.. وبالتالي ليس هناك فرق بين التسمية، إذا سميت روسيا أو سميت الاتحاد السوفييتي، المهم أن روح المكان طاغية على دولة عظمى تخرج بسرعة من سقطة الزمان التي كان لأمريكا دور في إيجادها وصنعها عبر إرهاق الاتحاد السوفييتي بسباق التسلّح، وممارسة ضغوط أخرى متعددة عليه، وتخرج أيضاً من ألاعيب سياسيين شاؤوا لها أن تبلغ ذلك الدرك لولا رجل الكرملين (الزاحف كالريح) في أعماق العالم يرسخ قوته الدائمة التي حيرت وستظل تحيّر الكثيرين.

عندما جاء بوغدانوف، صاحب الحضور النفاذ، بمهمة إلى الشرق الأوسط، لم يكن وسيطاً، بل ملأ صوته الشرق الأوسط وهو يقول: لابد من إراحة سورية وإخراجها من هذا الجحيم، فلنفتش معاً عن التسوية، هل هي في قلب الميدان أم عند الآخرين؟

لابد من تصغير الميدان وتحجيم الأدوار، ولابد أيضاً من جعل الآخرين يصغون إلى ما يعنيه بقاء سورية على حد السكين، وأي فائدة تجنى، بل يجنيها أولئك المصممون على إبادة سورية شعباً ودولة وجيشاً ونظاماً.

إذاً، الرئيس بوتين الذي يصفه الكثيرون بأنه يتمتع بعقل قيصري وبقلب شيوعي، سيظل يطرق الحائط المسدود الذي نصبه الآخرون (أي أمريكا وحلفاؤها وعملاؤها في المنطقة).

في هذا السياق تأتي التحركات الدبلوماسية الروسية النشيطة لإيجاد حل سلمي للأزمة في سورية، لا كما تريد أمريكا وحلفاؤها وأذنابها، بل تسوية أساسها وعمودها الفقري – كما يقال: الحوار السوري – السوري، البعيد عن الإملاءات الخارجية، والذي لا يحقق للمجموعات الإرهابية المسلحة أطماعها ومخططاتها المرسومة لها من قبل الغرب وتركيا وبعض دول الخليج، لاسيما السعودية والمشيخة المسخ (قطر).

أما بالنسبة لتعامل الرئيس بوتين مع الأزمة الأوكرانية التي اختلقها الغرب ومايزال يغذيها لتكون أوكرانيا بمثابة الحربة في الخاصرة الروسية، فكان تعاملاً عقلانياً وحازماً في الوقت نفسه.. فروسيا استعادت القرم بموجب استفتاء شفاف لمسه العالم أجمع، في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن القرم بالأساس روسية وتابعة للاتحاد السوفييتي السابق. إلى جانب ذلك يسعى بوتين حتى الآن لتطويق الأزمة الأوكرانية لما فيه مصلحة الشعب الأوكراني، ولم ولن يتخلى عن مساعدة الأوكرانيين في شرق أوكرانيا الذين رفضوا ومايزالون الطغمة التي اغتصبت السلطة في أوكرانيا بدعم من الولايات المتحدة وحلف الناتو والغرب عامة. كذلك لن يسمح الرئيس الروسي بوتين بأن تنضم أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي الآن، فمثل هذا الانضمام يضرّ إلى حد كبير بالمصالح الروسية، وفي الوقت نفسه بمصالح شعب أوكرانيا.

جدير بالذكر أن مغتصبي السلطة الجدد في أوكرانيا من أنصار الغرب، بينهم أحزاب يشتركون في الحكومة الحالية، لديهم ميول نازية متطرفة، حتى أن أحدهم (أحد رؤساء الأحزاب) يرأس مركزاً للبحوث الإسلامية أطلق عليه اسم (غوبلز) المسؤول الإعلامي في عهد هتلر.

باختصار.. إن مواقف الرئيس بوتين العامة أيضاً تتلخص أو تتمحور حول ضرورة وضع حد للهيمنة الأمريكية على العالم ولانفرادها في قيادته واتخاذ القرارات الدولية بما ينسجم مع مصالحها ومصالح حلفائها، فهي – أي الولايات المتحدة- لا تريد أن يشاركها أحد في اتخاذ القرار، ولا تريد لروسيا والصين ودول البريكس أن يأخذوا أماكنهم على الصعيد الدولي.. وبالتالي يسعى الرئيس الروسي إلى إقامة علاقات توازن وشراكة حقيقية في العالم، بحيث تكون العلاقات بين دول العالم على أساس الندية والاحترام المتبادل والتعاون. ولا شك في أن جهوده ومساعيه هذه تلقى تأييداً واسعاً على مستوى العالم رسمياً وشعبياً، لأن الدول ولاسيما الصغيرة منها لاقت وماتزال تلاقي أشد المعاناة من التسلط الأمريكي عليها والتدخل في شؤونها الداخلية.

العدد 1140 - 22/01/2025