الجولة الثانية من مؤتمر جنيف 2: وقف الإرهاب أولاً
أعلن فيصل المقداد، نائب وزير الخارجية والمغتربين، عضو الوفد الحكومي إلى مؤتمر جنيف ،2 يوم 7 شباط، موافقة الحكومة السورية على المشاركة في الجولة الثانية لمؤتمر جنيف 2 المقررة في 10 شباط، بعد مشاورات مع القيادة السورية بمكوناتها، وبعد مراجعة وتقييم للجولة الأولى ونتائجها (المتواضعة)، كذلك أداء الوفد السوري.. هذا مقابل هزالة تمثيل وفد ما سمي ب(المعارضة) الذي اقتصر على جزء من (الائتلاف) المنقسم على ذاته أصلاً، وضعف أدائه وارتهانه العلني لتوجيهات أسياده (الورقية) والمباشرة أيضاً.
ورغم عدم تحقيق نتائج ملموسة، ولو أولية، في الجولة الأولى (22-30 كانون الثاني)، وهذا ما كان متوقعاً أصلاً، فإن سورية سجلت العديد من النقاط الإيجابية، أبرزها: الإقرار الدولي، وإن بتباين في صيغه، بمواجهة سورية لإرهاب دولي ممنهج، واستفادتها القصوى من المتغيرات الدولية الإيجابية الجارية حول ضرورة الحل السياسي للأزمة السورية، كذلك الاعتراف، وإن بصيغ وأشكال مختلفة، بسورية دولة وكياناً (وخاصة بعد الاعتراف الدولي الواسع السابق الذي حصل بفعل الضغوط الأمريكية والغربية (الإقليمية) و(المستعربة) بالائتلاف ممثلاً شرعياً للشعب السوري بلغ 122 دولة في الأمم المتحدة في بدايات الأزمة، وهو آخذ في التناقص الحاد المتواصل بهذا الاعتراف لصالح سورية).. فضلاً عن فضح الجولة الأولى تبعية الطرف (المعارض) على هزالته وتواضعه وضعف تمثيله.
وبرغم المرونة المبدئية والمتزنة التي أبداها الوفد الحكومي السوري، وبخاصة استعداده لمناقشة كل بنود وثيقة جنيف الأولى (التي لم تشارك سورية في صياغتها، وإنما نسقت في ذلك مع روسيا والصين)، وبضمنها البند الثامن (لاحظ الثامن في ترتيب بنود الوثيقة)، فإن رفض الجزء المشارك من ما يسمى ب(الائتلاف) لهذه المرونة، وإصراره على تبديل بنود الوثيقة، والبدء أولاً بمناقشة البند الثامن، يؤكد حقيقة ما يريده هذا الجزء (الصغير) والمتلخص في عدم الحرص على سورية كياناً ودولة، بل السعي إلى التغيير الخارجي الإرادوي (الفوقي) بعد أن فشل خيار التدخل العسكري المباشر.
إذ تتمثل أهمية وثيقة جنيف الموقعة في حزيران 2012 (التي قبلتها سورية رغم تحفظاتها على العديد من بنودها) في تأكيدها ضرورة مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه أولاً، وتأكيدها السيادة السورية (أكدها القرار الدولي رقم 81__)، وأن الحل عبر عملية سياسية بقيادة سورية، كذلك الإقرار بأن الشعب السوري هو وحده من يقرر مستقبل بلاده، وغيرها من البنود الإيجابية الأخرى، وصولاً إلى البند الثامن الخاص ب(الهيئة الانتقالية المؤقتة) التي يجب أن تحظى بموافقة الطرفين.
وجاء التزام الوفد الحكومي السوري، وما يمثله وطنياً، ببنود الوثيقة، حرصاً منه على مواصلة الحوار من جهة، وإظهار مخاطر الإرهاب الدولي، الذي أضحت سورية محطة أساسية في مخططه من جهة ثانية.. فضلاً عن تعريته لما يسمى بوفد (المعارضة) الذي بدا واضحاً في أن مصلحة سورية ومستقبلها (دولة وكياناً) هي آخر اهتماماته، حينما رفض الورقة السورية بنقاطها الست (وقف الإرهاب، سورية دولة ديمقراطية تعددية، السيادة الوطنية، رفض التدخل الخارجي، الحفاظ على سورية كياناً موحداً، حق سورية في تحرير أراضيها المغتصبة).
وتنعقد الجولة الثانية من مؤتمر جنيف 2 في ظل اتساع التأييد العالمي لحل الأزمة السورية سلمياً، عبر الحوار والحل السياسي، والإصرار العالمي (كل حسب رؤيته) على مكافحة الإرهاب مدخلاً لحل الأزمة السورية، وهو ما طالب به الوفد السوري في الجولة الأولى، ويضعها أساساً ومدخلاً لمواصلة الحوار في هذه الجولة أيضاً. إذ لم يعد مطلباً سورياً صرفاً موضوع مكافحة الإرهاب، الإرهاب الذي يعني استمرار سفك الدم السوري وتدمير البنى التحتية والمؤسساتية الوطنية والفردية، وإنهاك الاقتصاد السوري، ومرارة وكارثية استمراره وخطورته.. فالوقائع تؤكد انتقاله إلى دول الجوار: (الإعلان عن تشكيل إمارة إسلامية في طرابلس شمال لبنان، ودول إسلامية في محافظة الأنبار العراقية، وامتدادات هذا الإرهاب إلى شمال الأردن وإلى المناطق الحدودية التركية- السورية.. إلخ)، فضلاً عن محاولة تكرار سيناريو الأزمة السورية في مصر، بعد سقوط نظام مرسي ومشروع الأخونة فيها (تفجيرات، اغتيالات، اعتداءات مسلحة على مؤسسات وبنى الدولة المصرية.. إلخ)، إضافة إلى إعلان غالبية وزراء الداخلية والخارجية والعدل في الدول الأوربية خشيتها من انتقال الإرهاب إلى بلدانها.
نشير هنا في عجالة إلى أن اجتماع وارسو (7-8 شباط) لوزراء داخلية فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وبولندا، قد تصدّره موضوع الإرهاب الدولي، وكيفية مكافحته، وإقرار وزير الأمن الداخلي الأمريكي جي جونسون في هذا الاجتماع، أن بلاده تشارك هذه الدول قلقها وخشيتها من الإرهاب والتطرف. كذلك إعلان العديد من وزراء داخلية هذه الدول سحب الجنسية من مئات المتطرفين – الجهاديين المشاركين في الصراع الجاري في سورية، وعدم السماح بعودة من شارك فيه إلى بلدانهم الأصلية! إذ أعلن رئيس الوزراء البريطاني ووزير خارجيته عن سحب الجنسية من 500 بريطاني يجاهدون في سورية، كذلك فعلت أستراليا والعديد من الدول الغربية. (علينا أن نلاحظ هنا أن هذه الإجراءات، على أهميتها ومدلولاتها، لم تجد ترجمتها الفعلية بوقف دعم هذه العصابات التكفيرية من قبل هذه الدول عملياً، بل (نظرياً) ولحسابات أمريكية – قرار الكونغرس الأخير حول دعم المعارضة المسلحة بأسلحة غير فتاكة- وغربية أيضاً، جوهرها قاتلوا وجاهدوا في سورية فقط، خدمة لأهداف هذه الدول ومخططاتها، أو اقتلوا على أراضيها، وليس في جوارها، ولا تعودوا أو لا تفكروا بالعودة إلى بلدانكم).
وهذا ما سيطرح أيضاً مرة أخرى، مكافحة الإرهاب الدولي، بصيغ أكثر جدية في الاجتماع المقرر عقده في 20 شباط لدول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة والعديد من دول الجوار السوري، كذلك (بعض) الدول المنشغلة بالأزمة السورية أيضاً.. فالإرهاب قد وصل إلى روسيا عبر التفجيرات الإرهابية الأخيرة التي وقعت في مدينة فولفاغراد، وقبلها ضرب في عدد من المدن الأوربية والأمريكية، فضلاً عن كشف الاستخبارات في هذه الدول العديد من الخلايا الجهادية النائمة في بلدانها.
أما هذا الجزء (الصغير) من وفد ما يسمى ب(المعارضة) الذي أعلن رسمياً في جولة مؤتمر جنيف الأولى، أنه لا يستطيع إلزام هذه العصابات الإرهابية، ولا (يمون) عليها، وإنما هو على اتصال معها! فيعاني من الجولة الثانية من ضعف تمثيله وضآلة تأثيره في الشارع السوري، وانفضاح حقيقة مراده، وفي المقدمة موقفه من مكافحة الإرهاب، الذي بات، مرة أخرى، مطلباً دولياً، وإن بتباين ولحسابات متعددة، وليس سورياً فقط.
وفي هذا السياق ينظر إلى مطالبة روسيا وما تمثله دولياً، بضرورة توسيع ما يسمى بوفد (المعارضة) ليشمل كل أطيافها، باستثناء الإرهابيين، وبخاصة الأطراف الفاعلة والمؤثرة.. كذلك العديد من الدول الغربية، وبضمنها أمريكا (نظرياً)، أو إقراراً، أو اضطراراً) وسورية أيضاً، واضطرار أحمد الجربا، رئيس ما يسمى (الائتلاف) أو قسم منه عملياً، بعد ممانعة ومماطلة، إلى زيارة موسكو مؤخراً، واصطدامه بصلابة الموقف الروسي المبدئي، وحلفائها أيضاً، حول كيفية حل الأزمة السورية، وضرورة الالتزام ببنود وثيقة جنيف الأولى كاملة، وأولية موضوع مكافحة الإرهاب، وأن طبيعة النظام السوري يقررها السوريون أنفسهم، بالطرق الديمقراطية.
كذلك ما رشح عن خلافات في لقاء الجربا مع رئيس (هيئة التنسيق الوطني) حسن عبد العظيم في القاهرة، قبل أيام قليلة، حول كيفية التعاطي مع مؤتمر جنيف خصوصاً، وآليات حل الأزمة السورية عموماً (رغم ما يشير إليه المراقبون من تباينات في صفوف الهيئة وغيرها من القوى الوطنية المعارضة الرافضة للتدخل الخارجي، والحلول الإرادوية، والحفاظ على سورية دولة وكياناً، وأن تصبح دولة ديمقراطية – تعددية.. إلخ).
بقي أن نشير إلى أن هذا الوفد (المعارض) الصغير التمثيل، والمضطر إلى توسيع عدد أعضائه، يمارس الديكتاتورية في التعاطي مع القوى المعارضة الأخرى، من خلال الإصرار على تمثيلها في المؤتمر تحت رايته وجناحه، في الوقت الذي يطالب فيه بالديمقراطية والتعددية.. إلخ من اللافتات (المشروخة) كأساس لحل الأزمة السورية! وإن اضطراره للحوار المشروط وغير المجدي مع الأطراف الأخرى المعارضة مؤخراً، وزيارته إلى موسكو، يمثل تعبيراً عن أزمته، ويأتي في سياق محاولاته تجنب الضغوط عليه من قبل أطراف عديدة مؤيدة أو معارضة لتوجهه وسياسته.
انطلاقاً من تجربة الجولة الأولى، وما أظهرته من هزالة هذا الجزء الصغير من الائتلاف، وأن سورية تذهب إلى الجولة الثانية متمسكة بوثيقة جنيف الأولى ببنودها جميعاً، رغم تحفظها على تفسير (الهيئة الانتقالية)، وبالقرار الدولي رقم ،2118 ومستندة إلى الإنجازات الميدانية المستمرة والمتسارعة، وإلى المظاهرات الحاشدة التي شهدتها عدة مناطق، كذلك تمسكها بتحالفاتها وعلاقاتها المبدئية التي أكدت الأزمة السورية دقتها وصحتها، وضرورة مواصلتها في سياق حل هذه الأزمة وما بعدها أيضاً.