مدينة السويداء تقضي على أزمة السير بالقضاء على الوادي!

تنتشر في مدينة السويداء هذه الأيام على نطاق واسع وملحوظ الأبنية البرجية، التي لا تراعى فيها نسبة محددة ومعروفة بين عدد الطوابق المرخصة وعرض الشارع الذي تطل عليه تلك الأبنية، لتأمين النور والهواء اللازمين لتحقيق شروط السكن الصحي.. فأينما ذهبت فإنك تجد مواد البناء وقد شغلت الطريق بشكل يعرقل السير ويزيد في أزمته، والرافعات الضخمة قد سدت بعض الطرق.. وعندما يحاول المرء التحقق من انطباق المواصفات الممنوحة تلك الرخص على أساسها يجد أن الطوابق المخصصة في تلك الأبنية لاستعمالها كمرائب، وهو ما تنص عليه أنظمة البناء المتعاقبة لمجلس مدينة السويداء، كجزء من خدمات البناء، قد تحول إلى محلات تجارية أو مستودعات مؤجرة، ولم تستعمل للغاية التي رخصت من أجلها. وتزيد المشكلة كلما زاد عدد الطوابق، ولاسيما أن المدينة تكاد تخلو من مرائب عاملة منظمة تخفف أزمة السير، وسوف تزيد الأزمة وتتفاقم بعد إتمام الأبنية التي هي الآن قيد الإنجاز.. ولكم أن تتصوروا كم سيكون عدد السيارات التي تعبر طريق قنوات على سبيل المثال، بعد أن يتم إنجاز الأبنية البرجية على الجانبين المتقابلين، وتمتلئ تلك الأبنية كافة بالسكان.

وفي سبيل حل أزمة السير المتفاقمة، فقد كان الحل الأمثل، ليس النظر في الأبنية البرجية وإيقاف ترخيصها، واعتماد نسبة محددة وتناسب معين بين عدد الطوابق وعرض الشارع، أو متابعة تنفيذ المرائب في تلك الأبنية، والتأكد من عدم تحويلها إلى محلات تجارية ومستودعات، أو إحداث مرائب عامة كافية.. لقد كان الحل الأمثل الذي اعتمده مجلس المدينة، هو طمّ وادي السويداء الشهير الذي يرتبط بذاكرة أهل المدينة وناسها، ويحوي على جانبيه عدداً من المواقع الأثرية والمعالم الطبيعية، كالجسور والمغاور والكهوف، دون أي حساب لأهمية تلك المواقع والمعالم، إذ سيقضى عليها وتتحول هي الأخرى إلى أبنية برجية، ولاسيما في المواقع التي يملكها مواطنون وليست ملكاً عاماً، مما يعني بالتالي مكافحة أزمة السير بدلاً من حلها، بسبب ازدياد عدد الشاغلين لتلك الأبنية واستخدامهم المركبات المختلفة، علماً أن طريقاً يبلغ طوله أكثر من كيلومتر ونصف الكيلو، يجب أن يكون له منافذ جانبية، الأمر الذي لا يتحقق في هذا الطريق الذي أقيم على طم الوادي، وتم تعبيده فوق بواري الصرف الصحي، وكأن السماء لن تمطر بعد مطراً غزيراً، أو كأن الهاطل المطري سيتوقف، أو كأننا كرسنا مقولة التصحر وقطعنا الأمل بغوث السماء!

والأغرب أن مديرية الموارد المائية في المحافظة، كما صرح مسؤولو مجلس المدينة، قد منحت موافقتها على المشروع المذكور، وعدّته غير مضرّ، لا بالبيئة ولا بتنظيم المدينة، وهي الجهة المخولة قانوناً بحفظ المجاري المائية وتنظيمها وحمايتها والاستفادة منها الاستفادة المثلى.

هل يعقل أن تحل أزمة السير بخلق أزمة جديدة؟ وهل يمكن أن يعفى مجلس المدينة من مسؤوليته في تنفيذ الرخص والتأكد من وجود المرائب؟ إننا ولا شك، ونحن نستمتع بمنجزات الحضارة والتكنولوجيا، ونستهين بالطبيعة وبحماية البيئة وبذاكرة البشر، سنكون كمن يلعق المبرد، نتلذذ بطعم الدم غير مدركين أنه دمنا.

يبدو أن مسلسل الطم لن ينتهي، فمن طمّ بركة الحج إلى طمّ بركة السورية، إلى طم طريق الحج القديم، إلى طم وادي السويداء.. فلننتظر على ماذا سيقع دور الطم في المرة القادمة!

 

محمد طربيه

رئيس فرع السويداء لجمعية العاديات

العدد 1140 - 22/01/2025