الثروة الحيوانية في طرطوس… في خطر!
تأتي الثروة الحيوانية، وخصوصاً الأغنام والأبقار، في المرتبة الأولى من مصادر الدخل الهامة في سورية، والتي تشكل فقرة أساسية في الأمن الغذائي والميزان التجاري السوري.
لكن رغم الأهمية الكبيرة للثروة الحيوانية لدينا، فإن تربيتها في الفترات الماضية تعرضت للتراجع وتناقص أعدادها لعدة أسباب، منها الجفاف الذي تعرضت له البلاد في السنوات الأخيرة، إضافة إلى غلاء الأعلاف التي يحصل عليها المربّي من المصادر الخاصة، ونقص كميتها في الدورات العلفية، وعدم وجود أسواق تصريف ومعامل متوزعة على المحافظات بشكل ملحوظ.. وأخيراً وليس آخراً قلة المراعي، الأمر الذي أثرّ على أعدادها تأثيراً واضحاً!
وإذا كان دخل العديد من الأسر السورية يعتمد على إنتاج الثروة الحيوانية في مجال الإنتاج الحيواني، فإن من واجبات الحكومة العمل على زيادة إنتاجية الوحدة الحيوانية من خلال تحسين إنتاجية المراعي بشكل عام، وتوفير الكميات اللازمة من العلف منعاً لاحتكار القطاع الخاص، ودعم وتطوير المشاريع الهادفة لزيادة الإنتاج، والتركيز على التصنيع والتسويق، والتركيز على القرى الأكثر فقراً التي تشكل تربية الثروة الحيوانية فيها المصدر الرئيسي للرزق.
السيد وائل، من منطقة الدريكيش، لديه نحو 70 رأس بقر، إضافة إلى أكثر من 115 رأس غنم وماعز، تحدث عن ضياع تعبه وجهده، لأن ما يجنيه من عوائد يذهب إلى جيب تاجر الأعلاف الذي يتحكّم بأسعار العلف. فمثلاً كيس العلف الذي تقدمه الدولة بحدود 1300 ليرة، يصل سعره من مصدر خاص إلى 3200 ليرة! وفيما يتعلق بالكمية التي تقدمها الدولة، فهي لا تكفي أبداً.. واسمح لي أن أسألك عن معنى أن نستلم في الدورة العلفية الواحدة لمدة شهرين نحو 50 كغ للرأس الواحد، فهل تكفي هذه الكمية أكثر من عشرة أيام؟!
وفي معرض ردّه عن طريقة للحد من نقص المواد العلفية، قال السيد وائل: لماذا لا تستورد الحكومة الكميات الكافية؟ وإذا لم تستطع، فلتفتح الباب أمام التجار للاستيراد، ولتقم بمراقبة تسعير العلف، بحيث لا يضيع حق التاجر ولا يضيع جهدنا وتعبنا أيضاً!
أما السيد ميخائيل، لديه نحو40 رأس بقر، فقد تحدث عن المعاناة الطويلة فيما يتعلق بتأمين العلف، إذ إن الكميات التي تقدمها مؤسسة الأعلاف تدعو للضحك والاشمئزاز في الوقت نفسه، فهل يضحكون على المربّي بهذه (الدورات) التي لا تغني ولا تسمن من جوع؟ هل بهذه الكميات سيتم تحسين وتطوير الثروة الحيوانية؟ لماذا لا تصارحنا الحكومة فيما إن كانت عاجزة عن تأمين العلف، لأنه طال الانتظار؟!
السيد بشار ديب، من منطقة الشيخ بدر، تحدث عن غلاء الأعلاف، خصوصاً بعد الانفلات في كل شيء، نتيجة الأزمة التي تمر بها البلاد، وخاصة في السوق الخاصة، إضافة إلى نقص الدورة العلفية المقدمة من قبل مؤسسة الأعلاف! أتمنى أن تساعدنا الحكومة عن طريق مؤسسة الكهرباء في إيصال الكهرباء إلى مزارعنا، إذ نبعد عن آخر عمود كهرباء نحو600 متر، وتكلفة الأعمدة وساعة الكهرباء ترهقنا وتزيد من خسارتنا! نحن مستعدون لشرائها بأسعار مخفضة! وهذا ينطبق أيضاً على مسألة الماء.. أتمنى أن تبادر الحكومة القادمة للبدء ببناء معمل ألبان وأجبان في المنطقة الساحلية بما ينعكس إيجابياً على إنتاجنا، وبالتالي يتحسن المردود المالي.
بعض الأهالي في ريف الدريكيش تحدثوا عن نفوق بعض الأبقار، كما حدث في مزرعة بيت الخدام ومزرعة بيت أبو حمود، وهم يجهلون السبب في ذلك، مع الإشارة إلى أن بعضهم تحدث عن وجود مادة النشارة في الأعلاف التي يحصلون عليها من مصادر خاصة، وطالبوا بزيادة الحصة للرأس الواحد في الدورة العلفية، لأن ذلك سيجعلهم أكثر اطمئناناً وسيوفر عليهم المزيد من الصعوبات والهموم. عدد آخر من الأهالي في سهل عكار تحدث عن تهريب قسم من الأبقار الحلوب ورؤوس الغنم والماعز إلى لبنان من معابر وطرق غير شرعية، ودعوا إلى الحد من هذه الظاهرة التي أدت إلى ارتفاع أسعار الحليب ومشتقاته. قصدنا مكتب الأستاذ جندب دخيل، مدير مؤسسة الأعلاف في الدريكيش، للوقوف على حقيقة ما سمعناه، فتحدث إلينا قائلاً: تُوزع الأعلاف على مربي الأبقار والأغنام والماعز وفق قرار الإدارة العامة، وكما هو معروف فإن تدخّل مؤسسة الأعلاف هو تدخل إسعافي، ونعلم أن الكميات التي تُوزع لا تكفي.. ومن هنا فإن المربي مضطر للحصول على الكميات المطلوبة لشراء قسم من الأعلاف من القطاع الخاص. طبعاً الدورة العلفية توزّع وفق قوائم مصدقة من الجمعيات الفلاحية بعد تصديقها من رابطة الفلاحين، وتُحصى عدد الأبقار ورؤوس الغنم والماعز كل سنة. موادنا مدروسة وخالية من أي مواد أخرى فيها ضرر للحيوان، والقطاع الخاص له عدة مصادر وعلى مديرية التموين أن تدقق في النوعية والأسعار. أسعارنا مدعومة، فهي للكغ الواحد تعادل 25 ليرة، بينما في القطاع الخاص مضاعفة مرتين أو أكثر.
المهندس حسان حسن، عضو المكتب التنفيذي في المحافظة، أكد لنا في اتصال معه، أنه جرى اجتماع على مستوى المحافظة بحضور السيد المحافظ وأعضاء المكتب المختصين، وتم التوجيه لزيادة الرقابة على المعابر النظامية وغير النظامية، وبحضور كل من مدير الجمارك، ومدير الزراعة، ومعاون قائد الشرطة، وتم تأكيد تكثيف الدوريات للحد من ظاهرة تهريب الأبقار، وقد أشير إلى الناحية الايجابية للساتر الترابي، فقد لوحظ انخفاض عدد الأبقار المهرّبة. وفيما يتعلق بالكميات المحددة في كل دورة علفية، أشار المهندس حسان إلى أنه وزعت 100 كيلو للرأس الواحد، بزيادة مئة بالمئة، بعد أن كانت الدورة العلفية 50 كغ من مادة جاهز أبقار حلوب. وتم فتح مقنن علفي للأغنام بمعدل 6 كغ نخالة، و6 كغ جاهز كبسول أغنام، و15 كغ شعير، وهذه الكميات غير مسبوقة في الفترات السابقة.
أخيراً: إذا كانت الكميات العلفية لا تكفي الإخوة مربي الأبقار والأغنام، وإذا كانت مصادر القطاع الخاص غير موثوقة وأسعارها كاوية، فلماذا لا تبادر الحكومة للاستيراد كي لا تبقى رقبة المواطن معلّقة بيد قلّة من التجار الذين لا همّ لهم سوى الربح.. والربح فقط دون أي رادع أخلاقي أو وجداني؟!