الكهرباء وأزماتها المزمنة.. ثقافة ترشيد الكهرباء لا تزال بعيدة عن مناهج سلوكنا.. والمسؤولية على الجميع

 

(عادت حليمة لعادتها القديمة)، لسان حال أغلب المواطنين حول الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، فتقنين الكهرباء هذا الشتاء كان امتداداً للعادة التي اعتاد عليها المواطن في كل شتاء.. فالكهرباء والشتاء يعنيان للمواطن التقنين والبرد! على صفحات التواصل الاجتماعي أخذت التعليقات تتوالى حول طول انقطاع التيار الكهربائي.. ففي أحد التعليقات ذكر أحد الصحفيين أن (الإطفاء دُمجت مع وزارة الكهرباء، لتصبح وزارة إطفاء الكهرباء)، وجاء في تعليق مواطن آخر: (وزارة الكهرباء تعلن عن أنها ستوفر انقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر مع بدء العاصفة الثلجية، وفي حال أتت الكهرباء، فإنها ستباشر بقطعها، حرصاً على خدمة المواطنين)!

وبالطبع، الأقوال السابقة أتت معبرة عن واقع يعيشه المواطنون، في ظل عدم انتظام التيار الكهربائي وانقطاعه لأيام في بعض الأحيان، وخاصة في ريف دمشق. لا شك أن هناك ضغطاً كبيراً على التيار الكهربائي، نتيجة عدم توفر مادة المازوت، بالرغم من تغنّي شركة المحروقات وفروعها بأن التوزيع يسير على قدم وساق، إلا أن الكثير من المناطق لم تحصل حتى هذه اللحظة على ليتر واحد من المازوت، مما جعل معظم المواطنين يلجؤون إلى الكهرباء في الحصول على الدفء، ولكن أيضاً الكهرباء خيّبت أملهم، فانقطعت لساعات طويلة كما ذكرنا، مما دفع المواطنين، بحثاً عن الدفء، للجوء إلى الحطب، فكثيراً ما نرى أشخاصاً يقومون بتكسير الحطب ووضعه ضمن المدافئ التي صنعوها بأنفسهم، بسبب ارتفاع أسعار المدافئ أيضاً.

حالياً يفرض على المواطن برنامجان للكهرباء، برنامج خاص بالتقنين، وبرنامج آخر خاص بالأعطال الطارئة التي قد تحتاج إلى أيام لإصلاحها.

وكلا الأمرين يدفعاننا للقول إن هناك ضغطاً كبيراً يحصل على التيار الكهربائي، وخاصة في المناطق الآمنة، للجوء معظم المهجّرين إلى تلك المناطق واعتمادهم على الكهرباء في كل أمور معيشتهم.

تحدثت وزارة الكهرباء كثيراً عن الترشيد في التيار الكهربائي، وقامت في سبيل ذلك بإجراء العديد من الحملات خلال السنوات السابقة، إلا أن هذه الحملات للأسف لم تخرج عن إطار الإعلانات والورقيات، ولم تدخل حيز التنفيذ، سواء بالنسبة للمواطن أو حتى لبقية الجهات الأخرى من جهات حكومية أو خاصة، على الرغم من أهمية الترشيد الكهربائي ودوره في الحفاظ على الطاقة الكهربائية وتوفيرها.

ولا ننسى أن قطاع الكهرباء يعاني حالياً صعوبات كبيرة في ظل العقوبات الاقتصادية الجائرة المفروضة على سورية، مما يجعل اتباع الترشيد أكثر أهمية في ظل الظروف الحالية.. وهنا لا بد من السؤال: هل يتم الترشيد حقاً؟ وكيف يمكن تطبيقه؟

وزير الكهرباء عماد خميس، في أحد تصريحاته، أوضح أن مشروع ترشيد الكهرباء يعدّ أفضل مشروع ربحي للوزارة، كما ذكر سابقاً أن ترشيد الطاقة الكهربائية يعتبر مصدراً آخر لتأمين الطاقة، ولا يخفى على أحد الرقم الكبير الذي يشكله هدر الكهرباء في سورية، والذي يكلف ما لا يقل عن مليارَيْ دولار سنوياً، ويعتبر من أعلى النسب في العالم، وبالطبع وزارة الكهرباء حاولت جاهدة ترسيخ مفهوم ترشيد الكهرباء سابقاً، وإلى الآن، إلا أن ما نراه حالياً هو سلوك مغاير تماماً لمفهوم ترشيد الكهرباء، سواء من قبل المواطنين (القطاع المنزلي  الصناعي  التجاري  الحرفي…) أو من قبل المؤسسات الحكومية (مدارس  وحدات إدارية  وزارات  مؤسسات  شركات عامة…).

 

استهلاك الكهرباء

زاد لعدة أسباب..

بالنسبة لعادات المواطن المتبعة في استهلاك الكهرباء فقد لاحظنا أنها لم تتغير، بل ربما زادت سوءاً، وذلك نتيجة عدة أسباب أدت إلى التوجه أكثر نحو استخدام الكهرباء، على الرغم من أن وزير الكهرباء أوضح مؤخراً أن إجمالي الطلب على الكهرباء انخفض بحدود 22%، نتيجة ما تعرضت له المنشآت والمعامل الصناعية من تدمير، في حين أن توليد الكهرباء انخفض أيضاً بنسبة تراوحت 28%، إلا أن ما نلاحظه أيضاً أن هناك زيادة في الطلب على الكهرباء، وخاصة في القطاع المنزلي، بسبب ارتفاع الأسعار الذي قلّص القدرة الشرائية للمستهلك ورفع سعر الغاز والمازوت، إضافة إلى الثقافة الاستهلاكية. وكان لعامل الأزمة الراهنة الأثر الأكبر، فقد أدت إلى زيادة الاستجرار غير المشروع للكهرباء في الكثير من القرى والبلدات، وضعف مكافحته من قبل الجهات المعنية بذلك.

أزمات المازوت والغاز التي تتكرر في كل شتاء، جعلت المستهلك يتجه نحو الكهرباء لقضاء حوائجه، وهذا التوجه لا يعتبر وليد اللحظة، فهاهي ذي السخانات الكهربائية تغزو أسواقنا، إضافة إلى الحصر الكهربائية الخاصة بالتدفئة، مما دفع المستهلك إلى أن يستغل الكهرباء في قضاء معظم احتياجاته، حتى ولو كانت معظم الخدمات السابقة من مازوت وغاز متوفرة، وذلك لارتفاع أسعار المحروقات. وبالطبع كل ذلك أدى إلى زيادة الأحمال، وبالتالي إلى زيادة التقنين والأعطال.

 

السرقة في وضح النهار!

ولكن الأخطر من كل ذلك هو الاستجرار غير المشروع، الذي كان له النصيب الأكبر في زيادة الطلب على الكهرباء وحصول الأعطال المتكررة، وذلك نتيجة قلة الوعي لدى بعض المواطنين الذين يقومون ب(سرقة) الكهرباء، التي أصبحت تجري في وضح النهار وأمام موظفي الكهرباء أنفسهم، في حين كانت سابقاً تحدث خفية وبطرق احترافية، ولكن كما يقال: (إذا لم تستح فاصنع ماشئت)، وهذا كان لسان العديد من المنازل حتى قطاع الأعمال في بعض البلدات التي قامت بسرقة الكهرباء، مثل بعض معامل الألبسة وبعض معامل (التطريز) ومعامل تصنيع (البلوك)، حتى أن المنازل التي (تسرق) الكهرباء لا ترشّد في سرقتها، فتراها تقوم بإنارة جميع الإضاءة وتشغيل جميع السخانات الكهربائية والأجهزة الكهربائية على مبدأ (كل شي ببلاش كثّر منه). وللأسف هذه الثقافة أصبحت سائدة دون العلم بأن سرقة الكهرباء ستضر بالسارق أولاً، وبمعظم القاطنين في المدينة أو البلدة، لأن ذلك سيسبب الأعطال المتكررة، وبالتالي انقطاع الكهرباء أكثر ولساعات أطول عن جميع أنحاء البلدة أو الحي.

بالطبع هذا الأمر يضع الجهات المعنية أمام تحدٍّ كبير، خاصة في مجال مكافحة الاستجرار غير المشروع، وفرض عقوبات رادعة بحق المخالفين، والأهم من ذلك أنه لا بد من التحرك لتوعية المستهلكين وترسيخ ثقافة الترشيد الكهربائي، لا ترك الحبل على الغارب.

 

المؤسسات الحكومية..

أين هي من الترشيد؟

وبالنسبة للمؤسسات الحكومة، فهي أيضاً بعيدة عن الترشيد، فقد لاحظنا خلال جولاتنا على بعض المؤسسات الحكومية والوزارات أن الإنارة دائماً تعمل في وضح النهار، وأن بعض المكاتب للأسف تحوي على مدافئ كهربائية دائمة الاستعمال، وأن المكيفات لا تتوقف عن العمل أبداً، سواء أكان في الصيف أم في الشتاء، والأغرب من ذلك أن نجد أن بعض المدارس تبقى مضاءة رغم انتهاء الدوام، ونرى أيضاً أعمدة الإنارة في الشوارع مضاءة في النهار دون أن تقوم الوحدات الإدارية بإطفائها، فأين هو الترشيد الكهربائي في المؤسسات الحكومية؟ ألا يجب أن تكون هذه المؤسسات قدوة للمواطن في ترشيدها للكهرباء؟

إذاً.. الأمر يحتاج إلى توعية وآليات تنفيذية، فالترشيد لا يمكن تطبيقه عن طريق البروشورات ووضع الشعارات والإعلانات في الطرقات، بل عن طريق التثقيف الدائم وتربية الأجيال على ذلك، وإدراج مادة خاصة في المدارس عن الكهرباء وطرق الترشيد، مع أهمية ترسيخ فكرة أن الترشيد يعتبر مسؤولية مشتركة ومتشابكة تتحملها كل القطاعات العامة والخاصة والأهلية، ويجب على كل قطاع أن يتحمل مسؤوليته اتجاه هذه النعمة التي لا نشعر بها إلا بعد أن نفقدها، وتعزيز فكرة الترشيد تقع على عاتق الحكومة بالدرجة الأولى، ثم على المواطن، كما يجب تأكيد أهمية أن يقوم المواطن بتسديد ما يترتب عليه من ذمم مالية تجاه وزارة الكهرباء لكي تستطيع أن تؤدي خدماتها على الوجه الأمثل.

يذكر أن استهلاك الكهرباء في سورية بلغ نحو 46 مليار كيلوواط ساعي في عام 2010 ، وفي عام 2015 سيرتفع الرقم إلى حدود 60-63 مليار كليوواط ساعي، وفي عام 2020 سيرتفع إلى 80 مليار كيلوواط ساعي، ولكي نؤّمن ذلك نحن بحاجة إلى استثمارات هائلة جداً لبناء محطات توليد الطاقة.

وكان الوزير خميس أوضح أن عدد مشتركي الطاقة الكهربائية في سورية وصل إلى نحو 5 ملايين و700 ألف مشترك، منها 4 ملايين ونصف مليون مشترك في القطاع المنزلي وحده، لافتاً إلى أن الإنتاج السنوي من الكهرباء وصل في سورية إلى نحو 50 مليار كيلوواط ساعي، يعتمد توليدها في الغالب على الوقود الأحفوري كالغاز والفيول.

العدد 1194 - 15/04/2026