الانتشار العشوائي لمحلات البالة..!

 

ضاع المواطن بسبب الأزمات الصغيرة التي خلّفتها الأزمة الكبيرة الحقيقية التي تعصف بالبلاد منذ ما يقارب ثلاث سنوات، وبات لا يجد جهة مريحة ليلقي رأسه المليء بالهموم عليها، إذ لم تعد لقمة العيش هي الوحيدة التي يعانيها.. فالشتاء داهمه وفجأة وجد نفسه وجهاً لوجه مع متطلبات الليالي الباردة من مازوت ومدفأة زادت أسعارها أضعافاً مضاعفة، إلى اللباس الشتوي الذي قفزت أسعاره قفزات خيالية لم يقتصر على محلات بيع الألبسة الجديدة، بل تعدّاها إلى محلات البالة المنتشرة بكثرة هذه الأيام، والتي لا تخضع لأية رقابة قانونية أو حتى رقابة (ضمير).

في حقيقة الأمر، كان البعض يجد في محلات البالة متنفساً له قبل الأزمة، إذ كانت الأسعار معقولة ومقبولة تتراوح بين 150 ليرة إلى 400 ليرة بالنسبة للملابس الخاصة بالأولاد، وكان الحذاء الرياضي للأعمار نفسها يتراوح ثمنه بين 250 ليرة إلى 600 ليرة، أما الآن فيجب مضاعفة هذه الأرقام عدة مرات عندما يريد المواطن اقتحام محلات البالة.

وكما هو معروف فإن البالة تأتينا (تهريباً)، وكلنا نعرف كيف تتم عمليات التهريب والمافيات الكبيرة وشبكات الفساد المتعددة الوجوه والأشكال التي تؤمن دخول هذه البضاعة إلى الأسواق. وهنا نطرح عدة أسئلة للجهات المعنية في الحكومة منها: لماذا لم تقم الدولة باستيراد البالة؟ ولماذا لا تُخضعها للرقابة، وبذلك تقضي على مفصل من مفاصل الفساد والتهرّب الضريبي؟!

تعالوا معنا في هذه الجولة على بعض الأسواق في محافظة طرطوس، لنستمع إلى آراء متعددة بهذا الخصوص:

السيد أبو يوسف (أعمال حرّة)، تحدث عن الأسعار قبيل الأزمة، فقال: كانت الأسعار معقولة في محلات البالة، وكنت أحصل على كل ما تحتاجه أسرتي منها، ولكن هذه الأيام لم تعد البالة ملجأ للمواطن الفقير.. لقد باتت أسعارها تضاهي المحلات الراقية في المدن الراقية، فهل يعقل أن يكون ثمن بوط رياضة لطالب في الصف التاسع 2000 ليرة، وثمن جاكيت عادية له من البالة بحدود 1700 ليرة؟! أنا أرى أن هذا الارتفاع في الأسعار لم يحدث بسبب ارتفاع الدولار فقط، بل بسبب استثمار الأزمة وفقدان الرقابة على الأسعار. الدولار انخفض هذه الأيام، ولكن الأسعار لم تنخفض وكأنها مرتبطة به في الزيادة فقط.

السيدة مها (موظفة) قالت: في حقيقة الأمر لم يعد الراتب يكفي لشراء الحاجيات الأساسية بعد أن زادت بنسبة 200 بالمئة لبعض السلع وأكثر من ذلك لسلع أخرى. لقد تخلينا عن العديد من الكماليات – إن جاز التعبير- ولا أعلم إن كانت الفواكه من الكماليات التي يجب علينا أن نتخلى عنها.. لم نعد نستطيع الدخول إلى محلات اللحمة، إذ بات سعر الكيلو نحو 2000 ليرة، ولكن هناك بعض المواد التي لا يمكن للأسرة أن تتخلى عنها، فهل يمكننا أن نقضي ليالي الشتاء دون تدفئة؟! إذا استثنينا سعر المازوت، فهل يعقل أن يصبح سعر المدفأة بحدود 10000 ليرة سورية؟! بعد كل هذا الكلام وهذه المصاريف التي أرهقت الراتب، هل بإمكاننا الدخول لشراء قطعة قماش جديدة؟! بالنسبة لي الجواب كلا، وحتى محلات البالة باتت عصيّة على من هم من أصحاب الدخل المحدود.. إذ وصل ثمن جاكيت جلد نسواني من أحد محلات البالة في صافيتا إلى 7000 ليرة، وثمن الجزمة النسواني إلى أكثر من 3500 ليرة! هذا جنون ولا يمكن لعاقل أن يستوعبه.

السيد إبراهيم محمود (صاحب محل لبيع الألبسة غير المستعملة)، تحدث عن تناقص عدد الزبن الذين تحولوا إلى محلات البالة بسبب كثرتها وتنافسها فيما بينها لجذب أكبر عدد من الزبن، وأضاف: أنا أرى أن على الدولة، متمثلة بالجهات الرقابية، أن تفرض رسوماً وضرائب على محلات البالة، أسوة بباقي المحلات.. ولا أعلم ما هو السبب الذي يجعل تلك المحلات معفاة من الضرائب. أنا أدفع للدولة سنوياً بحدود 25 ألف ليرة ضريبة، وصاحب محل البالة لا يدفع ليرة سورية واحدة، فلماذا تسمح له الدولة بمنافستي في بيع الألبسة؟ أتمنى الرزق للجميع، ولكن هناك حقائق يجب أن تقال.

السيدة أمل (صاحبة محل لبيع الألبسة المستعملة)  تحدثت عن إيجابيات انتشار محلات البالة في ظل هذه الظروف فقالت: كانت البالة على الدوام الملاذ الآمن للفقير الذي لا يمكّنه راتبه أو دخله من الدخول إلى محلات بيع الألبسة غير المستعملة بسبب غلائها، ومازالت محلات البالة تجد إقبالاً جيداً حتى هذه الأيام.. بل دعني أكون صريحة معك: لقد زاد عدد زبائني في ظل الأزمة الحالية، إذ ارتفعت أسعار الألبسة الجديدة بنسب لا يحتملها العقل، في حين حافظت أسعارنا على ما كانت عليه، لولا التذبذب في سعر الدولار.

السيد معن خليل (صاحب محل بالة) تحدث عن ارتباط الأسعار بسعر الدولار فقال: تعلم أن البالة تأتينا من أوربا عن طريق لبنان، وبسبب الحصار وارتفاع الدولار وزيادة أجور النقل زادت أسعارنا قليلاً، ولكنها بقيت ضمن الحدود المعقولة قياساً ببقية السلع التي تضاعفت أسعارها مرات ومرات. ربحنا قليل ولا يمكن أن نقارن بمحلات بيع الألبسة غير المستعملة. صحيح أنه يدخل إلى محلي في اليوم أكثر من مئة زبون وزبونة، ولكن أقل من الربع أو أكثر بقليل هم الذين يشترون قطعة أو قطعتين، وإذا حسبنا ربحنا فهو لا يتعدى 1500 ليرة في اليوم.

التقينا بالمصادفة في أحد محلات بيع الألبسة لمستعملة بأحد الأطباء الذي تمنى علينا عدم ذكر اسمه، عن رأيه بالبالة قال: صحيح أنني طبيب ودخلي محترم ولله الحمد، ولا أخجل من المجيء إلى محلات البالة، ففيها أقلّب كل ما تقع يدي عليه، ولا أجد حرجاً في (المكاسرة بالنسبة للسعر)، وهناك أمر آخر هو أن بضاعة البالة كلّها تأتينا من أوربا وهي تضاهي الجديد – طبعاً هذا ليس ترويجاً لمحلات البالة، ولكن نتيجة تجربتي على مدى أكثر من عشرة أعوام – وفيما يتعلق بالأسعار، فهل بقيت سلعة لم تتأثر بالأزمة؟! من المؤكد أن البالة كغيرها، وتجارها كغيرهم من التجار، مادام لا يوجد أي ضوابط أو قوانين تفرض عليهم البيع بتسعيرة معينة، فتاجر البالة هو وضميره، ومن كان ضميره غائباً فلا يمكن لرقيب أن ينوب عنه.

أخيراً، عندما تغمض الجهات المعنية عينيها عن تهريب البالة وغيرها، فإن فمها قد امتلأ بالتأكيد على مبدأ (طعمي الفم تستحي العين)، ولكن ما يخشاه المواطن هو أن يبقى الفم مفتوحاً والعيون مغمضة لتلك الجهات، في حين يبقى المواطن المسكين هو الخاسر الأكبر.. وقاكم الله المكاره..!

رمضان إبراهيم

العدد 1194 - 15/04/2026