صعوبات بالجملة تحتاج إلى تحرك حكومي عاجل

تصريحات كثيرة أطلقت عبر العديد من وسائل الإعلام المحلية، حول تدهور الثروة الحيوانية في سورية، فقد أوضح محمد أيمن دبا، مدير مشروع تطوير الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة، في أحد تصريحاته، أن الثروة الحيوانية في سورية تواجه صعوبة في التسويق، مؤكداً أن المربين لم يخرجوا عن عملية التربية أبداً إلا ما ندر، في حين سُجّل انخفاض في أعداد القطيع، فقد اضطر المربي نتيجة الأزمة الراهنة إلى تخفيض عدد رؤوس القطيع، إما لنقله من مكان إلى آخر ومن محافظة إلى أخرى هرباً من الأحداث الاستثنائية، أو نتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف التي يشتريها من السوق، فالمربي الذي كان لديه 500 رأس اضطر لتخفيض العدد إلى 300 رأس، لتلبية حاجة القطيع من الأعلاف.

في حين أشارت التقارير المتخصصة حول آفاق الأمن الغذائي في سورية خلال عام ،2014 إلى احتمالات تفاقم واستمرار تدهور الثروة الحيوانية في حال تواصل الأزمة الراهنة، وأن العديد من العوامل المضادّة تراكمت آثارها على قطاعي الماشية والإنتاج المحصولي، كما تشير إلى أن الإنتاج الداخلي سيتعرض لأضرار جسيمة خلال السنة القادمة، إضافة إلى تضرر رعاة الماشية نتيجة لتقييد حركة القطعان وصعوبة الحصول على العقاقير البيطرية والتجهيزات الأخرى.

إذاً، ما الذي تواجهه الثروة الحيوانية في سورية؟ وكيف يمكن إيقاف استنزافها؟

 

اتحاد حرفيي دمشق: الثروة الحيوانية تواجه العديد من التحديات

لفت مروان دباس، رئيس اتحاد الحرفيين بدمشق، في تصريح خاص ل(النور)، أن الثروة الحيوانية في سورية تعاني جملة من المعوقات والصعوبات، وخاصة معاناة المربين المتعلقة بتوفر العلف وارتفاع أسعاره، لأنه مرتبط بسعر الصرف. وأشار أيضاً إلى أن المربين يعانون من صعوبة رعي القطيع الخاص بهم في ظل الظروف الراهنة التي تمر على سورية، كما أن ارتفاع سعر الثروة الحيوانية جعل من المربي يحرص أشد الحرص على قطيعه، وخاصة أن سعر رأس العواس الواحد يبلغ حالياً 50 ألف ليرة، أي يشكل خسارة بالغة للراعي في حال فقد أي رأس.

ولفت دباس إلى أنه في حال لم يستطع المربي من رعي القطيع، فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى عدم نجاح التربية لديه، لذا نجد أن الكثير من المربين لجؤوا إلى مادة الخبز واستخدموه علفاً للحيوانات.. مؤكداً أن مادة الخبز تعد مادة غير نافعة للأغنام أو غيرها من الحيوانات، لأنها مادة تحتوي على الخمائر وقد تضر بالحيوان.

وأشار رئيس اتحاد الحرفيين في دمشق، إلى أن الثروة الحيوانية في سورية يهددها الاستمرار في التصدير، والأخطر من ذلك التهريب الذي تتعرض له إلى دول الجوار وخاصة أمهات العواس، إذ يتم تهريبها وهي حية أو بعد ذبحها، كما حدث عندما تم تهريب الماعز الشامي سابقاً إلى دول الخليج، ولا يخفى على أحد أن الماعز الشامي يصل سعر الواحدة إلى أكثر من مليون ليرة، وهذا السعر قديم جداً، أما حالياً فسعرها أكثر من ذلك.

وأوضح دباس أن المربي للأسف وقع في طمع المال، فقد اختار أن يذبح بعض رؤوس قطيعه بدلاً من تربيتها، خاصة بعد ارتفاع أسعار اللحوم في السوق المحلية، فرأس العجل وصل سعره إلى 400 ألف ليرة، لذا فالكثير من المربين أخذوا ببيعون العجول إلى القصابين لذبحها طمعا بسعرها، فالذي يقوم بتربية الحيوانات حالياً أصبح لديه ثروة حقيقية ويتمناها أي مواطن، وخاصة العواس السوري الذي يعتبر نادراً ومطلوباً في العالم كله.

 

ذبح للإناث وإحصائيات غير دقيقة ومتاجرة بالأعلاف

وأكد دباس ضرورة أن تقوم وزارة الزراعة بدعم هذه الثروة، لافتاً إلى أنه مهما خسرت وزارة الزراعة على هذه الثروة فهي الرابحة، حتى ولو قامت بتوزيع العلف بالمجان على المربين، فإنها الرابحة دون أدنى شك، فيجب المحافظة على الثروة الحيوانية في سورية، وخاصة أن عمرها مئات السنين ومن الصعب تعويضها.. مشيراً إلى أهمية الوقوف على إحصائية دقيقة وواقعية لعدد الرؤوس التي يملكها أي مربي، وذلك من أجل منع التلاعب بكمية الأعلاف التي تقدمها الحكومة للمربين، لأنها مدعومة وتقدم بأسعار رمزية.

وقال دباس: (ما يجري حالياً هو ذبح لإناث العواس، وقد حذرت مراراً وكثيراً من ذلك، ولكن إلى الآن لا تزال تذبح، وهذا من شأنه أن يؤثر على الثروة الحيوانية، من حيث تكاثرها ونموها وتطورها).

وعن ما تملكه سورية من ثروة حيوانية، أكد رئيس اتحاد حرفيي دمشق، أنه إلى هذه اللحظة لا يوجد رقم يعبر عن الحجم الحقيقي لعدد الثروة الحيوانية، فمعظم الإحصائيات تُعتمد من خلال أرقام ترد من الجمعيات الفلاحية للوقوف على عدد الأغنام أو الأبقار التي لدى المربين، مع الإشارة إلى أن معظم الأرقام التي تزود بها بعض الجمعيات الفلاحية، وفق دباس، تعتبر وهمية وليست حقيقية، وذلك من أجل الحصول على العلف من الحكومة وبيعه في السوق السوداء.

وطالب دباس بمكافحة تهريب هذه الثروة ومنع ذبح الإناث والتوسع بالثروة الحيوانية ومعالجة مشكلاتها، مشيراً إلى أن ذلك مسؤولية وزارة الزراعة بالدرجة الأولى.

 

تلوث بيئي وانتشار للغش في الأسواق

وأشار إلى قضية انتشار الغش في اللحوم ضمن الأسواق وإلى التلوث البيئي الذي يحصل في دمشق وخاصة في باب سريجة، فقد لفت إلى أن الأسواق تعاني حالياً من غش كبير بالنسبة للحوم، وقد أشرت إلى ذلك كثيراً ولكن للأسف لم نجد إجابة من أي جهة، ونحن كاتحاد ليس لدينا صلاحيات لمعاقبة المخالفين، وعلاقتنا مع الحرفيين هي علاقة تنظيم لا أكثر، حتى إنه لا يمكن أن نجبر أحداً على الانتساب إلى الاتحاد.

ولفت إلى أنه يتم ذبح نحو 400 ذبيحة في سوق باب سريجة يومياً في محلات القصابين وعلى الأرصفة والشوارع، وهذا ينذر بحدوث كارثة بيئة في تلك المنطقة، وخاصة أن تلك المنطقة تحتوي على أسيقة قديمة وقد يعرضها للانسداد نتيجة صعوبة جريان دماء الحيوانات التي تذبح هناك، مما يؤدي إلى تراكمها، ومن المعلوم أنه من الصعب إصلاحها وقد يعرض تلك المنطقة برمتها إلى خطر كبير.

وأكد أن محافظة دمشق وفرت للقصابين مكاناً لذبح الحيوان يتبع لمؤسسة الخزن والتسويق، إلا أنه لا يعتبر ذا مواصفات كاملة، وكانت حجة القصابين بعدم الذبح هناك هو ضيق المكان وعدم اتساعه للأعداد الكبيرة من الرؤوس المراد ذبحها يومياً، لذا لجؤوا إلى الذبح أمام محلاتهم أو في الشوارع، وهذا الأمر أدى إلى حدوث تلوث بات ظاهراً في طعم اللحوم، إذ إن معظمها أصبحت سيئة المذاق نتيجة سوء الذبح والتخزين والتبريد، لذا أرى أن يتم تخصيص مكان يحتوي على مواصفات سليمة لإجراء عملية ذبح العواس أو غيرها بشكل مؤقت.

وكان مربو وتجار أبقار وقصّابون، قد ذكروا أن هناك انخفاضاً شديداً لحق بالثروة البقرية، أدى إلى انخفاض شديد بالعرض، وإلى ارتفاع كبير بأسعار منتجاتها من لحوم وألبان وأجبان.. فعلى حين تعد الأغنام ثروة متنقلة قابلة للتحريك، تعد الأبقار ثروة ثابتة لا تقيم في العراء ولا تعتمد على المراعي الطبيعية، وهذا بحد ذاته عرضها للخطر، فضلاً عن ارتفاع أسعار الأعلاف وقلّته.

وأوضحوا أن هذه الظروف مجتمعة قادت الكثير من المربين إلى ذبح إناث الحيوانات التي تشكل قاعدة القطعان، كما أن الأعمال القتالية في بعض المناطق أدت إلى نفوق أعداد غير معروفة من المواشي وخاصة الأبقار، إلا أن الخطر الأكبر هو ارتفاع الأسعار في دول الجوار الذي أدى إلى هجرة كبيرة لقطعاننا من مختلف المحافظات السورية إلى الأردن ولبنان وتركيا، حيث تباع البقرة الواحدة بألفي دولار أمريكي، أي ما يقارب 600 ألف ليرة، على حين تساوي البقرة في سورية 200 ألف ليرة بالحدود العليا، معتبرين أن مفاخرة وزارة الزراعة بثروتنا الحيوانية المقدرة بنحو 18 مليون رأس من الأغنام وأكثر من 1,1 مليون رأس من الأبقار و3 ملايين رأس من الماعز، هي مفاخرة مبنية على إحصاءات غير دقيقة، وخاصة اليوم بعد تسرب نسبة كبيرة من هذه القطعان إلى دول الجوار.

بعد عرض السابق لا بد من التنبيه إلى أن الثروة الحيوانية لا تقل أهمية عن غيرها من الثروات التي تملكها سورية، لذا لما كان أطلق عليها كلمة (ثروة)، نخشى من انتكاسة تصيبها في حال لم يتم التحرك العاجل لوقف استنزافها والعمل على تطويرها، فعمر هذه الثروة مئات السنين ومن الصعب جداً تعويضها في حال خسرانها، كما أن التفريط بها يعتبر خسارة كبيرة للاقتصاد السوري.

العدد 1194 - 15/04/2026