أوكرانيا.. خطوة هامة على طريق إنهاء الأحادية القطبية
مع مطلع الألفية الثالثة، وبعد إعادة ترتيب بيتها الداخلي، بدأت روسيا باستعادة هيبتها وتعزيز مكانتها ودورها على الصعيد العالمي من خلال المشاركة الفاعلة في صياغة القرارات الدولية، والعمل على إرساء عالم تنتفي فيه الهيمنة الاستعمارية على مقدرات وإرادة الدول المناهضة للسياسة الأمريكية خصوصاً والغربية عموماَ.
فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتحوّله إلى جمهوريات متفرقة متعددة الانتماءات والولاءات، والغرب يسعى إلى اجتذاب هذه الجمهوريات إلى صفوفه كي تكون أدوات وأوراق ضغط يستخدمها وفق نظرته الاستعمارية في أية تسويات مقبلة لتقاسم الثروات ومراكز القوى والنفوذ.
أدرك الروس أنهم يواجهون مشروعاً غربياَ يهدف إلى تقويض جهودهم في الوصول إلى عالم متعدد الأقطاب يرفض أي تدخل خارجي في شؤون الدول، ويحافظ على وحدة أراضيها وسيادتها واستقلالها، ويحلّ كل النزاعات بين البلدان بالطرق السلمية وفق القانون الدولي.
لذلك تحاول القوى الاستعمارية توجيه ضربات موجعة في عمق الداخل الروسي، وتحديداً في الجمهوريات التي كانت منضوية تحت لواء الاتحاد السوفييتي، إن كان ذلك من خلال دفع جورجيا للاعتداء على أوسيتيا الجنوبية، أو زعزعة الاستقرار في الشيشان، أو محاولات نشر الدرع الصاروخية في بعض دول أوربا الشرقية ودول البلطيق (لاتفيا، ليتوانيا وإستونيا)، بعد انضمام هذه الدول إلى حلف شمال الأطلسي، بهدف تطويق روسيا عسكرياً، رغم تعهد جورج بوش الأب لميخائيل غورباتشوف شفوياً بعدم توجه حلف الأطلسي نحو الحدود الغربية للاتحاد السوفييتي، هذا التعهد لم يستمر الالتزام به بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وإلغاء حلف وارسو بتاريخ 01 تموز1991 إذ أصبحت دول اشتراكية سابقة أعضاء في حلف شمال الأطلسي، وفي مقدمتها بولندا – دولة المقر لحلف وارسو سابقاً- إضافة لجمهوريات البلطيق.
أما اليوم فالغرب يستخدم أوكرانيا ورقة ضغط كي يتنازل الروس لصالحه عن مجموعة من الملفات والقضايا الدولية على رأسها الشرق الأوسط، وخاصة ملف الأزمة السورية.
فأوكرانيا تعدّ ثاني أكير جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ومن أكبر الدول المصدرة للقمح، والممر الأوحد لأنابيب الغاز الروسي إلى أوربا، وأغلبية مواطنيها في شرقها وجنوبها يعتنقون المذهب الأرثوذوكسي ويتكلمون اللغة الروسية، وتتكامل قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة فيها مع مثيلاتها في روسيا، إذ تعتبر الأخيرة المصدر الرئيس لتزويد أوكرانيا بالطاقة (غاز ونفط ووقود نووي لمحطة زابوروجيه لتوليد الطاقة الكهربائية) والمورد الأساسي لاحتياجات الاقتصاد الأوكراني، ويعمل في روسيا أكثر من ثلاثة ملايين أوكراني (علماً أن الحد الأدنى للأجور في روسيا هو ضعف مثيله في أوكرانيا)، وبالتالي فهي الشقيقة التوأم لروسيا.
ولذلك تسعى أمريكا للسيطرة عليها وتحويلها إلى قاعدة لحلف شمال الأطلسي نظراً للأهمية الاستراتيجية لموانئها على البحر الأسود بالنسبة لبوارج الحلف، ولطول حدودها مع روسيا، مما يشكل تهديداً خطيراً لأمن روسيا القومي ووسيلة ضغط عليها لعدم عرقلة المشاريع الأمريكية الاستعمارية.
بينما تسعى أوربا إلى ضمها للاتحاد الأوربي بعد انضمام معظم دول أوربا الشرقية إليه نظراً لأهمية موقعها جغرافياً واقتصادياً، فمن ناحية تعتبر جسراً بين أوربا وروسيا، ومنطقة عازلة بينهما من ناحية أخرى، إضافة إلى كونها سوقاً تجارية هامة لتصريف السلع والمنتجات بين سكانها الذين يبلغ عددهم خمسين مليون نسمة.
فضلاً عن أن الحكومة الأوكرانية السابقة عملت جدياً على الانضمام إلى الاتحاد الأوراسي (كازاخستان – روسيا – بيلاروسيا)، لأن إنتاجها الصناعي يُصدّر فقط إلى روسيا ولا يلاقي رواجاً في أسواق الاتحاد الأوربي أو أمريكا.
أدرك الغرب أن اتباع سياسة تصادمية مع أوكرانيا، خاصة بعد (الثورة البرتقالية) في عام ،2004 وبعد وصول فيكتور يانوكوفيتش إلى رئاسة أوكرانيا إثر انتخابات شباط 2010 قد لا تكون ذات جدوى، لذلك فقد لجأ إلى سياسة ظاهرها التقارب وباطنها استخدام أساليب ملتوية للتدخل في الشؤون الداخلية من خلال دعوتها للمشاركة في برنامج (الشراكة الشرقية) الذي أطلقه الاتحاد الأوربي عام ،2009 والذي يهدف إلى تحقيق التكامل مع بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق (مولدافيا، جورجيا، أذربيجان، أرمينيا)، ويفترض تقارباً سياسياً واقتصادياً فيما بينها وبين أوربا.
وقد أدى رفض هذا البرنامج من قبل الحكومة الأوكرانية السابقة إلى اندلاع الاحتجاجات المؤيدة للتقارب مع أوربا، بدعم وتحريض من دول الاتحاد الأوربي وأمريكا، وبحجة دعم الديمقراطية، التي اعتبرتها أوكرانيا تدخلاً فاضحاً في شؤونها الداخلية وانتهاكاً للمعاهدة الموقعة بين موسكو وواشنطن عام ،1994 والتي تضمن أمن أوكرانيا وسيادتها، وقد نتج عن هذه الاحتجاجات أعمال عنف تمثلت بالاستيلاء على المقرات الحكومية، واقتحام ميدان الاستقلال، والاعتداء على الأملاك العامة وإثارة الشغب في الشوارع، وترتّب على ذلك قتلى وجرحى، ثم جرى عزل الرئيس يانوكوفيتش وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة قاطعتها الأقاليم الجنوبية والشرقية، ووصل بموجبها نواب ورئيس للجمهورية من المعارضة اليمينية المتطرفة الموالية للغرب.
وفي خطوة جريئة وتحدّ واضح لتصرفات حلف شمال الأطلسي أعادت روسيا شبه جزيرة القرم في منطقة جنوب شرق أوكرانيا إلى الوطن الأم روسيا، من أجل حماية الرعايا الروس الذين يشكلون الأغلبية الساحقة فيها، وحفاظاً على الأمن القومي الروسي، علماً بأنها تاريخياً كانت تابعة للسيادة الروسية قبل أن يضمّها رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي خروتشوف عام 1954 إلى أوكرانيا.
لقد فشلت محاولات أمريكا والاتحاد الأوربي في إركاع روسيا سياسياً واقتصادياً، إن كان عن طريق فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا، أو عن طريق إبعاد أوكرانيا عن التكامل الاقتصادي مع منظومة الدول المستقلة (جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق)، ومحاولة إدخالها في عضوية الاتحاد الأوربي، إلا أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل للأسباب التالية:
– إن الإنتاج الصناعي في أوكرانيا يصدّر فقط إلى روسيا، ولا يجد له رواجاً في الاتحاد الأوربي وأمريكا.
– يتجاوز عدد العاملين الأوكرانيين العشرة ملايين عامل منهم أكثر من ثلاثة ملايين يعملون في روسيا، وأربعة ملايين في كازاخستان، وثلاثة ملايين في بيلاروسيا، فإذا أوقفت الحكومة الأوكرانية علاقاتها الاقتصادية مع هذه الدول لأدى هذا الإجراء إلى عودتهم لأوكرانيا، وسيكونون عبئاً على الاقتصاد الوطني كعاطلين عن العمل.
– عدم التزام دول أوربا الغربية بتنفيذ العقوبات الاقتصادية ضد روسيا للسببين التاليين:
* يبلغ حجم التبادل التجاري والاستثمارات الأوربية في روسيا أربعمئة مليار دولار، في حين تبلغ الاستثمارات الأمريكية سبعة وعشرين مليار دولار فقط.
* عدم قدرة ست دول أوربية على الاستغناء عن مصادر الطاقة وتحديداً الغاز الروسي، لأنها لا تملك البدائل، وعليه يمكننا أن نقول إن الولايات المتحدة الأمريكية تريد التوسع نحو أوكرانيا والسيطرة عليها بغية الوصول إلى حدود روسيا، وتحقيق مكسب استراتيجي عبر حصارها، والعمل على تقسيمها إلى دويلات صغيرة عن طريق إشعال حروب أهلية داخلية، الأمر الذي يشكل استفزازاً وتحدياً لروسيا لا تستطيع القبول به أو السكوت عنه، فهي دولة نووية قوية إلى جانب كونها قد تحولت إلى مركز القوة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتعمل على حماية أمنها القومي وتأمين طرق نقل الغاز، والحفاظ على أفضل العلاقات الأخوية والروابط السياسية والاقتصادية مع أوكرانيا التي تشكل امتداداً طبيعياً لها، واستناداً إلى مرتكزات السياسة الروسية منذ تولي بوتين رئاسة روسيا المبنية على استعادة هيبة روسيا ومكانتها ودورها على الصعيد الدولي كدولة عظمى، فبوتين هو القائل:
(إن ما يجري حالياً ليس حرباً ضد روسيا، بل محاولة لتجميد تنميتها).
(إن نظاماً عالمياً يقوده زعيم واحد، أمر لن نقبله. ذلك الزعيم يعتبر أنه يمكن أن يفعل كل شيء، وأما الآخرون فيمكن لهم أن يفعلوا فقط ما يسمح به الزعيم ووفق مصالحه البحتة).
(هذا النظام لن تقبل به روسيا أبداً).