تراخي المراقبة يجعل من الدعم الحكومي يذهب إلى تجار الأزمات

المواطن بين فكي كماشة.. السوق السوداء وارتفاع الأسعار

أصبحت الأسعار هاجساً حقيقياً يواجه ذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل، عدا معاناتهم الحقيقية في مواجهة السوق السوداء التي أصبحت تمد أذرعها لتتحكم بالعديد من الخدمات والسلع الأساسية في السوق، مثل المازوت والبنزين والغاز والخبز والطحين، وبالطبع فصل الشتاء أصبح موسماً لتجار الأزمات، فمع دخول الشتاء تنشط عملية الاتجار بالمواد المدعومة التي تتكلف الحكومة عليها الكثير.

وبالطبع لكل شيء سبب، وهناك أسباب استدعت توسع السوق السوداء، فمثلاً في مادة المازوت تمثل السوق السوداء فيها أنها أصبحت تباع بسعر زائد، إضافة إلى عمليات الغش التي تطول المادة، سواء بخلط المادة أو التلاعب بالكمية المباعة للمواطن، والأكثر غرابة أن هناك مراكز مرخصة تقوم ببيع مادة المازوت ب115 ليرة للتر، وهي على مقربة من أماكن الجهات الرقابية المسؤولة عن مراقبة الأسعار والتلاعب بها.

فعدم توفر المادة هو السبب الرئيسي في انتشار السوق السوداء، كما أن سعر مبيع لتر المازوت المحدد ب61 ليرة للتر يعزز نشاط السوق السوداء، ذلك أن موزع المازوت لن بأخذ السعر المحدد لدى بيعه للمواطن بل سيأخذ كحد أدنى 65 ليرة للتر، وهذا بالطبع غير موجود، فاللتر يباع بأكثر من ذلك، إذ يباع عن طريق بعض الوحدات الإدارية وفق العديد من المواطنين بسعر يصل إلى 70 ليرة للتر الواحد.

كما أن الاعتماد على صهاريج القطاع الخاص شجع على توسع السوق السوداء. تقوم هذه الصهاريج بالتلاعب بالكميات وعمليات الخلط، عدا عن أخذ سعر زائد من المواطنين، فهاهو ذا الشتاء انقضى منه الكثير من الأيام وهناك الكثير من الأسر لم تحصل على لتر واحد من المازوت.

البنزين دخل في السوق السوداء..

وبالطبع لم تكن مادة البنزين بعيدة هي أيضاً عن السوق السوداء، فقد بلغ سعر لتر البنزين نحو 130 ليرة في السوق السوداء، هذا عدا (الإكرامية) التي يأخذها العامل في المحطة من صاحب السيارة، والتي تبلغ أكثر من 200 ليرة وتصل إلى نحو 500 ليرة، وبالطبع يتم ذلك بمعرفة تامة من وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، فقد ذكرت في أحد تصريحاتها أن القائمين على بعض محطات البنزين يأخذون أكثر من 200 ليرة على كل تعبئة لسيارات المواطنين بمادة البنزين، ولا شك أن السوق السوداء التي انتشرت في مادة البنزين ناتجة عن نقص في المادة وزيادة في الطلب عليها في وقت واحد، إذ تشهد معظم المناطق انقطاعات للتيار الكهربائي ومعظم المواطنين يلجؤون إلى المولدات الكهربائية التي يعمل معظمها على مادة البنزين، كما دفع شح المادة في المحطات إلى سرقة البنزين من بعض السيارات المركونة في الطرقات وبيعها في السوق السوداء، ونجد الكثير من تجار الأزمات على أرصفة بعض الطرقات يقومون ببيع البنزين والمازوت بأسعار عالية، ويبقى المضطر هو الضحية في التوجه إلى هذه الأسواق التي يكثر فيها الغش والاستغلال لحاجات الآخرين.

أسطوانة الغاز

كما أن الأسطوانة ذات اللون الأزرق أصبحت هي أيضاً ضمن قائمة المواد التي يتاجر بها في السوق السواء، ففي كل شتاء (اعتاد) المواطن على أزمة الغاز والوقوف لساعات طويلة في طوابير الغاز أمام المراكز، وبلغ سعر أسطوانة الغاز نحو 2000 ليرة في السوق السوداء، فتقف العديد من السيارات التي تحمل أسطوانات غاز وتقوم ببيعها للمضطرين بأسعار مضاعفة.

وكثيراً ما وقع المواطنون ضحايا عمليات الغش في أسطوانات الغاز، ففي الشتاء الماضي كانت تباع أسطوانات غاز مليئة بالمياه، وكان هناك أسطوانات نصف ممتلئة أو متلاعب بها من حيث الوزن.

وأكد مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك بدمشق باسل طحان في تصريحه ل(النور) أن نحو 500 أسطوانة غاز ضُبطت خلال الأسبوع الماضي، تباع ويتاجر بها دون ترخيص، واتخذت الإجراءات القانونية بحق المخالفين، لافتاً إلى أن مديرية التجارة تقوم بتسيير سيارات لتعبئة مادة المازوت للمواطنين بموجب موافقات وبكميات محددة لأماكن محددة، ويؤخذ توقيع مستلم المادة بعد انتهاء عملية التعبئة، مشيراً إلى أن المديرية ضبطت عمليات متاجرة بالمازوت من موزع إلى موزع آخر، مؤكداً أن السوق السوداء تتشكل عندما يكون هناك احتكار لمادة معينة، وتباع بسعر أعلى من سعرها المتعارف عليه.

ماذا عن ممول تجار الأزمات؟

وبالطبع السوق السوداء تتشكل في الأزمات، وتجار الأزمات هم قناصو الفرص، وهم أيضاً الذين يصطادون في المياه العكرة، ويجنون أرباحاً طائلة على حساب المواطن والحكومة أيضاً، ويبقى السؤال هنا: في كل عام يتكرر هذا السيناريو دون وضع حلول ناجعة له، ونعتقد أن كل الجهات الرقابية تعلم ما هي أسباب نشوء السوق السوداء، ونعتقد أيضاً أن تجار الأزمات لا يتاجرون في الخفاء بل في وضح النهار وعلى أعين جميع الجهات الرقابية، فمن أين يحصل تاجر الأزمة على أسطوانات الغاز لكي يبيعها في السوق السوداء؟ ومن أين يحصل تاجر الأزمة على البنزين والمازوت وبكميات كبيرة لكي يتاجر بها في السوق السوداء؟

إذاً لابد من معرفة من يموّل تجار الأزمات ويزودهم بالمواد المدعومة حكومياً للمتاجرة بها في السوق السوداء وملاحقتهم ومعاقبتهم، وعدم الاكتقاء بملاحقة البائع فقط، فالخطر يكمن في الممول أيضاً وليس في البائع، وهذا ما يحدث للأسف في مادة الخبز، إذ تجري ملاحقة بائعي الخبز الذين يعتاشون من عمليات البيع على الطرقات، وقد يكونون مهجرين أو أن وضعهم المادي صعب، ويُترك من يقوم بتهريب الطحين والمازوت من داخل الأفران الحكومية إلى الأفران السياحية التي نعتقد أنها لا تستخدم الطحين السياحي، بل إن معظمها يستخدم الطحين التمويني المدعوم من الحكومة، وبالتالي يحصل تاجر الأزمات على مئات الألوف يومياً من المتاجرة بالطحين والمازوت المدعوم، في حين تقوم الجهات الرقابية بملاحقة بائع الخبز على الطرقات.

الدعم يصل إلى تجار الأزمات لا إلى المواطن..

لا شك أن السوق السوداء تعتبر استنزافاً للاقتصاد الوطني ولإمكانيات الخزينة العامة، وخاصة أن معظم المتاجرة تتم بمواد مدعومة من قبل الحكومة، وبالتالي فإن هذا الدعم لا يصل إلى مستحقيه بل يذهب لجيوب المستغلين والمحتكرين، ولا ينال ذوو الدخل المحدود أي نصيب منه، أي أن تراخي مكافحة السوق السوداء يجعل من الدعم الحكومي يذهب إلى تجار الأزمات دون غيرهم، مما يجعل المواطن يرزح حالياً بين فكي كماشة، هما السوق السوداء من جهة وارتفاع الأسعار من جهة أخرى.

لذا لا بد من أن تقوم وزارة النفط بتأمين صهاريج خاصة بها وتتبع لها من أجل توزيع مادة المازوت على المواطنين، وعدم التعاقد مع صهاريج القطاع الخاص الذي برهن في كل الأزمات السابقة أنه يستغل حاجات المواطنين فيبيع المازوت والغاز بأسعار مضاعفة، أو يتلاعب بالكميات، كما لابد من أن تقوم وزارة التجارة بمراقبة محطات القطاع الخاص التي يتم تزويدها بالمازوت والبنزين ومعايرتها بشكل دائم ومستمر، وعدم التهاون مع أي مخالفة، والعمل على توفير المواد المتأزمة بشكل سهل للمواطن ومنع الاستثناءات، فعندما يتم توفير المادة بشكل سهل للمواطن، فإن السوق السوداء تتراجع وتنحسر، ولكن، إذا كان مهماً أن تنحسر، فالأهم هو محاسبة الذين امتلأت جيوبهم من المتاجرة في السوق السوداء على حساب المواطنين وعدم تركهم ينتظرون الفرصة الثانية التي تسمح لهم بمعاودة نشاطهم في الاستغلال.

ويجب على الحكومة أن تحرص أشد الحرص على متابعة توزيع المحروقات على المواطنين وغيرها من المواد المدعومة، فهي أنفقت عليها المليارات وعانت كثيراً في تأمينها، فالدعم هو أصلاً للمواطن لا لتاجر الأزمات.

العدد 1140 - 22/01/2025