أخيراً.. قطع الإرهابيون الماء عن حلب

وماذا بعد؟ لليوم السابع على التوالي ومدينة حلب مع جزء من ريفها يعيشان دون ماء، بعد أن قامت المجموعات المسلحة بوقف المضخات في مركز سليمان الحلبي الذي يغذي كل أحياء المدينة بمياه الشرب، والمدينة الآن بكل أحيائها عطشى. أربعة ملايين إنسان محروم من المياه الصالحة للشرب، مشاهد تبكي العيون وتدمي القلوب، حشود الحلبيين أطفالاً ونساء ورجالاً مع (بيدونات) أو ما تيسر من آنية متجمعين حول آبار الجوامع وآبار البلدية وفي الحدائق العامة، يحاولون الحصول على قليل من الماء تكاد لا تكفيهم لساعات، مع العلم أن جزءاً من هذه الآبار ملوثة ومياهها غير صالحة للشرب، بدأ بعد ذلك مسلسل التسمم والإسهالات الناتجة عنها.

الخوف الآن من أن تطول المشكلة وتجف هذه الآبار! ألا يكفي حلب الحصار الخانق الذي عانته لشهور طويلة، ونتج عنه فقدان الخبز والمواد الغذائية والدواء والوقود والكهرباء، أضف إليها قذائف الهاون التي ينثرها المتوحشون على مدينتنا، حاصدة أرواح الأحبة التي لم يعد يهتم أحد بتعدادهم بعد أن مل الناس من التعداد! يقول الناس إنه لو كان الهواء بيد الإرهابيين لحرمونا منه.

لماذا هذا الحقد على حلب وأهلها؟

لقد جرى التركيز على حلب منذ بداية الأحداث عام 2011 نظراً لأهميتها السياسية والاقتصادية والبشرية وموقعها المجاور للحدود التركية، وبهدف جرّ الشارع الحلبي إلى التمرد! ولما فشلوا كما هو معروف وظلت دورة الحياة طبيعية في المدينة وفي غالب ريفها، كان لابد من القصاص والانتقال إلى خطة أخرى، فتعرضت حلب في تموز عام 2012 لغزو حاقد همجي من خارج المدينة لا يشبهه إلا غزو المغول والتتار، وكان ذلك بأمر وتخطيط تركي واضح يذكّرنا بالماضي العثماني البغيض، كان هدفه وضع حلب تحت الوصاية والهيمنة التركية تمهيداً لضمها وسهولها إلى تركيا، تحقيقاً لأطماع تاريخية لم تتحقق عند سلب لواء إسكندرون، ولنجاح هذا المخطط عمل الغزاة على:

1- تدمير البنية الاقتصادية الصناعية والتجارية، فنهبت ودمرت وأحرقت مناطق صناعية وتجارية تحوي عشرات آلاف المستودعات والمخازن والمعامل والمنشآت والورش والأسواق مثل: العرقوب – الليرمون- الشيخ نجار – الراموسة – بني زيد وغيرها، وقد استهدفت بشكل أساسي صناعة الخيوط والنسيج التي تشتهر بها حلب، وخلال سنتين حملت أساطيل من الناقلات لتركيا مئات آلاف الأطنان من البضائع المنهوبة ونحو 1500 معمل أشرف على تفكيكها ونقلها خبراء أتراك.

2- طمس هوية حلب التاريخية، فبعد الغزو مباشرة بدأ تدمير منهجي لأوابد حلب ومعالمها وآثارها التاريخية، فدمّر الجامع الأموي ومئذنته الشهيرة ونقل إلى تركيا منبره التاريخي الثمين الأثري (منبر سيدنا زكريا) الذي يعود تاريخه إلى عهد صلاح الدين الأيوبي، كما نهبت ونقلت إلى تركيا مكتبته الضخمة التي تحوي عشرات الألوف من الكتب والمخطوطات التاريخية النادرة، ونهبت ثم أحرقت أسواق حلب التاريخية البالغ طولها 13 كم والتي تضاهي أسواق إسطنبول، وقد وصل التدمير إلى مشارف قلعتها، فقد دمر بالكامل منذ أيام بانفجار هائل فندق الكارلتون الأثري، ومن قبله كان فندق زمريا وغيره من الفنادق والأبنية الأثرية في حي الجديدة، كما دمر أو أصيب بضرر كبير 70% من المباني الأخرى الموضوعة تحت حماية ورعاية منظمة اليونسكو، ومن بينها الكنيسة الإنجيلية التاريخية، والآن مع الأسف الخطر يطول قلعة حلب نفسها.

3- إفراغ حلب من أهلها.. إن الحصار والتجويع وقطع المياه عن أهل حلب وتدمير اقتصادها وإفقار الناس له هدف نهائي هو إيصالهم إلى مرحلة اليأس من الحياة في المدينة وهجرها تسهيلاً لعمل الغزاة.

والسؤال الآن: هل نجح المخطط التركي؟ لقد صمدت حلب وأهلها والدليل هاهي ذي شوارعها وحاراتها تعج بأبنائها البررة الذين لم يخونوا عهد الوطن ولم يُفرحوا الغزاة ومن يدعمهم بهجرها، حتى سكان الأحياء التي وقعت تحت أيدي البرابرة فقد احتضنتهم الأحياء الأخرى التي تعيش في كنف الدولة، وأكثرهم الذي غادر منهم غادر لمدن سورية أخرى احتضنته بالأمن والرعاية ولم يغادر الوطن.

وهاهو ذا الجيش العربي السوري البطل يعمل لطرد الغزاة مما تبقى من أحيائها، وستنهض حلب! نعم ستنهض من جديد مع شقيقاتها المدن السورية الأخرى وستعود إلى سابق عهدها المدينة التي تعشق الحياة ولا تنام…  وستنتصر سورية وطناً وشعباً وجيشاً رغم أنف الغرب الغازي وعملائه ومؤيديه.

العدد 1194 - 15/04/2026