العمود الفقري للاقتصاد الوطني.. ماذا أعدت الحكومة لمواجهة الجفاف المحتمل لقطاعنا الزراعي؟
انخفاض في معدلات الهطول المطري تشهده سائر المناطق سواء في سورية أو فلسطين المحتلة أو الأردن، فقد انخفضت معدلات الهطول لأكثر من النصف مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، وتعتبر هذه السنة من السنوات الجافة، ولا تزال الهطلات المطرية في المناطق السورية كافة، أدنى من معدلاتها، ومن هطلات الفترة نفسها من العام الماضي ب40 إلى 50%، وب80% في بعض المناطق.
إذاً يمكن القول بأن سورية تواجه انحباساً مطرياً، وبدأت آثاره تظهر جلياً على الأسواق، وخاصة بالنسبة لأسعار الخضار والفواكه التي لم تنخفض أبداً منذ أكثر من شهرين، بل هي في ارتفاع مستمر.
بالطبع، الأمطار نعمة السماء على الأرض، لها تأثير كبير على المحصولات الزراعية وخاصة في ظل هذه الفترة التي تشهد زراعة العديد من المحاصيل الصيفية، سواء الخضار أو الفواكه أو البقوليات أو غيرها من المحاصيل الأخرى.
وهنا لابد من طرح سؤال هام، وخاصة بعد العديد من التصريحات والتقارير التي تتحدث عن تراجع في القطاع الزراعي، والصعوبات التي تواجهه نتيجة الأزمة الراهنة: هل موسمنا الزراعي ضمن حدود السلامة- كما يقال- أم أنه معرّض للخطر نتيجة قلة الأمطار؟، وماذا عن الخسائر التي مُني بها الموسم الزراعي السابق، والتي بلغت المليارات؟.. وكيف هي أسعار الخضار في أسواقنا؟ وهل ستشهد ارتفاعات إضافية؟
أسعار الخضار في ارتفاع مستمر
في جولة أجرتها (النور) على أسواق الخضار في دمشق وريفها تبين أن أسعار معظم الخضار والفواكه ارتفعت لأسباب ليست بجديدة، فقد تحدث معظم أصحاب محلات بيع الخضار عن ارتفاع أجور النقل بين المحافظات المنتجة والمستهلكة بوصفه السبب الرئيسي لارتفاع أسعار الخضار، إضافة إلى ارتفاع أسعار المحروقات وتحكّم تجار من سوق الهال ببعض أنواع الخضار من حيث السعر.
وتراوحت أسعار البطاطا مابين 130 و140 ليرة للكيلو، كما تراوح سعر البندورة مابين 50 و75 ليرة للكيلو، في حين بلغ سعر الباذنجان نحو 165 ليرة للكيلو، وكل من الليمون الحامض والخس أصبح ب75 ليرة، وتراوح سعر الليمون البلدي بين 60 و80 ليرة، وسجل الكوسا سعراً بحدود 175 ليرة، وارتفع الملفوف البلدي إلى 75 ليرة، بينما انخفض سعر البصل بأنواعه ليسجل البصل الفريك 35 ليرة، واليابس 25 ليرة، بعد أن وصل إلى حدود 65 ليرة خلال الشهر الماضي.
وارتفعت أسعار الفواكه مقارنة بالفترة الماضية، فبلغ سعر الموز (نخب أول) 150 ليرة، والصومالي 165 ليرة، كما سجل التفاح بأنواعه أسعاراً تراوحت بين 125 ليرة للنخب الثاني، و200 ليرة للنخب الأول، ووصل سعر البرتقال (أبو صرة) إلى 60 ليرة، والبوملي إلى 50 ليرة، أما الكرمنتينا فسجلت 65 ليرة سورية.
اتحاد غرف الزراعة: نتوقع أن يكون الموسم الزراعي جيداً
بالمقابل ورغم كل القلق توقع محمد الكشتو رئيس اتحاد غرف الزراعة السورية في تصريحه ل(النور)، أن يكون الموسم الحالي جيداً، لافتاً بقوله: (يوجد إقبال على الزراعة من قبل الفلاحين)، مشيراً إلى الموسم الزراعي سيكون جيداً سواء من حيث زراعة البقول أو الأشجار المثمرة أو حتى المحاصيل الاستراتيجية من قمح وشعير، ويوجد أرقام جيدة جداً من المحاصيل السابقة.
وأشار إلى أن السنة الماضية شهدت تراجعاً نسبياً في المساحات المزروعة وفي كميات الإنتاج وكان هناك تخوف، ولكن المؤشرات الحالية تعتبر أفضل بكثير عما كانت عليه سابقاً. وفيما يتعلق بقلة الأمطار ومدى تأثيرها على المحاصيل الزراعية، أوضح رئيس اتحاد الغرف الزراعية أن البدائل موجودة دائماً، فالزراعة السورية لا تعتمد اعتماداً كاملاً على الأمطار، بل هناك محاصيل مروية ويمكن اللجوء إلى الري من أجل تعويض نقص الأمطار.
ماذا عن انخفاض النسب؟
ولكن يبقى ما يثار في الصحف المحلية محل خوف، تجاه ما يواجه قطاعنا الزراعي، ومن المعروف أن القطاع الزراعي في سورية يعتبر العامود الفقري الذي يرتكز عليه اقتصادنا الوطني، وهو يشكل صمام الأمان للأمن الغذائي لدينا، وأن أي ضرر يلحق به سيشمل جميع القطاعات، خاصة أن معظم صادراتنا تعتبر زراعية، ومعظم صناعاتنا تقوم على المواد الزراعية الأولية.
وذكرت وزارة الزراعة في تقرير لها، نشر في إحدى الصحف المحلية، أن الخسائر غير المباشرة للموسم الزراعي بلغت نحو 31 مليار ليرة، نتيجة لعدم تنفيذ كامل الخطة الإنتاجية للمحاصيل الهامة، خلال الموسم الزراعي 2012- 2013.
كما أن تقريراً صادراً عن مديرية التخطيط في وزارة الزراعة لفت إلى أن المحاصيل الإستراتيجية سجلت انخفاضاً في نسبة المساحة المنفذة، خلال الموسم، بمقدار 83% للقمح، 86% للشعير، 47% للشوندر السكري، 33% للقطن، وأن كمية الإنتاج المسوق للمؤسسات الحكومية، في بعض المحاصيل انخفض بنسبة 33% للقمح، 14% للشعير، 15% للشوندر السكري، 18% للقطن، وذلك بحسب ما نشرته إحدى الصحف الحكومية.
مدير زراعة دمشق وريفها علي سعدات أكد مؤخراً في تصريحات له في الصحف المحلية أن الزراعة في ريف دمشق تواجه الكثير من الصعوبات، وتعرضت الزراعة ضمن محافظة دمشق وريفها بشقيها النباتي والحيواني لأضرار غير مباشرة، فقد تضرر الناتج المحلي من القطاع النباتي بنسبة 40% وتقدر قيمته بنحو 24 مليار ليرة سورية، والقطاع الحيواني بنسبة 50% وتقدر قيمته بنحو 60 مليار ليرة، وبالتالي بلغت الأضرار الإجمالية التي لحقت بالمزارعين على مستوى المحافظة نحو 84 مليار ليرة سورية خلال ثلاث سنوات.
هل وزارة الزراعة مستعدة لأي طارئ؟ وماذا عن البدائل؟
لذا بعد عرض الأرقام السابقة لابد من التأكيد على أهمية الوقوف على معاناة الفلاح، فهو يواجه العديد من الصعوبات وخاصة فيما يتعلق بتوفير مستلزمات الإنتاج مثل المازوت والكهرباء، فالمازوت يباع لبعض الفلاحين بأسعار تصل إلى 100 ليرة للتر، وصعوبة تسويق المنتجات بين المحافظات بسبب استهداف الطرق، والانخفاض الكبير في عمليات تصدير المنتجات الزراعية وتوقف الآليات الثقيلة عن العمل، مما أدى إلى انخفاض نسب التنفيذ وارتفاع كلفة اليد العاملة وتذبذب أسعار الصرف وانعكاس ذلك سلباً على أسعار مستلزمات الإنتاج، ولا ننسى استهداف المؤسسات والمنشآت والدوائر الزراعية والمراكز البحثية والمخابر، واستهداف المحاصيل الزراعية وتخريبها، وسرقة مستلزمات الإنتاج الزراعي وتهجير المزارعين ومنعهم من زراعة أراضيهم. كما يجب أن يكون لوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي خطة إسعافية لانخفاض معدلات الهطول المطرية، لكي لا تؤثر على الموسم الزراعي، وعلى بقية المحاصيل المخطط تنفيذها، بحيث يكون هناك بدائل متاحة سواء من حيث التوجه إلى الري الحديث، لأنه أقل هدراً للمياه في ظل شح المياه الذي قد يصادفنا في الصيف القادم، كما يجب أن تستغل الموارد المائية المتاحة، من حيث تكرير مياه صرف الصحي والتعاون مع وزارة الموارد المائية في ذلك، وإنشاء محطات تحلية لمياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة، ونخشى أن يكون البديل الوحيد في حال حدث نقص في معدلات الإنتاج هو التوجه إلى تغطية النقص في الأسواق عن طريق الاستيراد، وترك الفلاح يعاني بمفرده، لأن ذلك قد يؤثر على الفلاح بالدرجة الأولى، وعلى إنتاجنا الزراعي بالدرجة الثانية، وعلى الاقتصاد الوطني بالدرجة الثالثة.