العقم
تتردد كلمة (عقم) كثيراً بين الناس، وتعني عدم الإنجاب. وهي مقابل ضدي أو عكسي للخصوبة. وبين العقم والخصوبة جيل من المتناقضات. فالعقيم هو عدم القدرة على الإنجاب. أما الخصوبة فهي الإنجاب بعينه.
ولا يعني العقم عدم الإنجاب فقط من الناحية الصحية، بل هناك ما يسمى ب (العقم الفكري)، أي انسداد الأقنية الدماغية والمسامات التي يتنفس منها عقل الإنسان أو دماغه، ورفضها استقبال أي جديد. ويطلق على هذا النموذج من البشر (الرجل العقيم غير المنتج)، الذي يحافظ على عذريته و(أصالته) كما يتصور عن غباء وقلة فهم ودراية، ومعرفة كيف يتم استقبال ما هو جديد، وكيفية إرساله ونشره في المجتمع والتعاطي معه. والعقم بالمعنى الأبعد والأكثر شمولاً واتساعاً، هو الخروج من الدائرة الضيقة المحددة ب (الإنجاب) فقط، إلى دائرة القبول بالآخر والحوار معه وتقبّل الإصغاء إلى الرأي المغاير.
العقم يعني بلغة العصر، عدم القدرة على استيعاب الأفكار الجديدة، والتعاطي مع ما هو حديث ولم يكن مألوفاً قبل فترة قصيرة. ومن الأمراض العربية المستعصية التي دخلت في سجل (العقم)، ولم تجد حتى الآن الدواء الذي يخفف آلام الشعوب العربية، بدءاً من حجب الحقيقة إلى مراقبة عناوين الكتب، يعدّ بلغة العصر وثورة الاتصالات عقماً متحجراً جامداً نبت في تربة غير قابلة للإصلاح.. كالشجرة التي تمد أغصانها الوارفة بأوراقها الخضر لكنها لم تعطِ ثمراً أو أنها غير مثمرة، رغم أن مالكها يعتني بها عناية جيدة، ويقدم لها كل ما تحتاجه من تقليم وسقاية وتسميد.
ماذا نقول عن الجماعات المغلقة بأسمائها(التاريخية)، التي تبتعد في هذه الألفية عن أي مسميات تقدمية، إنسانية، حضارية، حداثية.؟ ماذا نقول عن السلفية والجهادية التكفيرية، وهذه التنظيمات التي تحلل ذبح البشر كما تذبح الشاة؟ أسئلة خارج الزمان والتاريخ تحمل مدلولات تدل على أنه بعد آلاف السنوات، يزداد هؤلاء همجية، ولم تحرك عقولهم أو تهتز لهذا التطور الخلاَّق. ولا يزال هذا القول صحيحاً: (إننا في العصر الحجري القديم، أو ما قبل التاريخ)، ونحن نرى كيف يستلّ الإرهابي صاحب الذقن المصبوغة بالحناء ساطوره ويذبح رجلاً كما يذبح النعجة، ثم يصيح بأعلى صوته من حنجرة مصابة بالعفن (الله أكبر)! وكأن الله سبحانه وتعالى ينتظر هذا التكبير ويهلل له بفرح!
وفي مدارسنا العربية التي تنتشر على مساحة أربعة عشر مليون كيلو متر مربع، يتعلم أطفال الأمة الحزانى(تاريخنا الناصع وحضارتنا التي وصلت إلى أقاصي الدنيا. وخلاصة العقل العربي الذي لا يزال يدرَّس في جامعات أوربا).. ونحن نردد صباح مساء (إننا أمة لا مثيل لها بين الأمم). وفي المقابل لا بد لنا أن نفخر ونرفع رؤوسنا عالياً، بأن هناك عقولاً عربية تنير الطريق لنا ولغيرنا.. وتقتلع الأفكار السود القادمة من كهوف التاريخ القديم، الزاحف إلينا كأفاعي الصحراء ليفرغ سمومه في أحشاء الوطن.
إن العقم المتسرطن، لا في الجسد بل في العقول، قد نما في أرحامٍ من جلود مقددة متفسخة. وما علينا إلا مواجهتها ومحاربتها بالعلم والأفكار الإنسانية المتحررة من اللغة الخشبية.. تلك اللغة الجامدة التي نقلت من معاجم الجهلة الفاقدين للمعرفة.