فعلاً… اللي استحوا ماتوا!
أنا، وأستغفر الله من كلمة أنا، لا أعلم لماذا تهجم عليّ بعض الأفكار في غير أوانها وفي غير زمانها ولغير أناسها، فأقع فريسة تلك الأفكار حتى عندما أستفيق منها أجد نفسي وحيداً في بريّة تكثر فيها الذئاب المتعددة الأشكال والألوان والأحجام ذوات الشعر الناعم والأنياب القاطعة. قد يقول قائل – وله الحق في ذلك – ما هذه المقدمة التي لا يفهم منها سوى أنها جعجعة بلا طحن كاجتماعات جامعة العربان في هذا الزمن الأبله والهزيل، فأطلب منه وأنا بكامل لياقتي النفسية والبدنية أن يسترخي في سريره أو على كرسيه وليأخذ شفطة متة وشحطة أركيلة وليتوقف عن أكل الفلافل، مادام المواطن لم يعد قادراً إلاّ على شراء الفلافل بعد أن رفرف الفروج ساحباً معه النشرات التموينية وعناصر حماية المستهلك إلى كوكب آخر!
وقبل أن أتوغل في لب الموضوع كما يتوغل الفساد والضغينة والحقد والانتهازية والمحسوبية وأشياء أخرى في قلوب البعض، سأسمح لنفسي بأن أدعو كل من يجد هذه المقالة تغمز إليه من طرف أو أكثر، ألاّ يثور ويعربد ويزمجر ويهدّد ويتوعد، لأنني قرأتها مرات ومرات فوجدت أن المقصود منها كان يستحق أكثر، وسأترفع عن ذكر الأسماء ليس من أجل أصحابها بل كي لا أعكّر بياض الورق .
يقول عبدون بن عبيدان بن عباد بن أسعد بن مسعود بن سعيد بن سعيدان بن سعدون بن سعاد الملقب بالكاتب – طبعاً لقبه جاء من مهنته – أطال الله في عمره وفي أعماركم كي تسمعوا العجب العجاب وتحكموا على من وصل في غفلة من التقييم إلى كرسي المسؤولية، وبدأ كالمنايا خبط عشواء تارة لليمين وتارة للشمال وتارة للخلف، دون أن يتقدم في فكره وذهنيته العملية قيد أنملة!
أخونا الكاتب الذي أحدثكم عنه كان قد قرر في غفلة من تفكير أن يتقدم بهدية متواضعة هي عدّة نسخ مجانية – أرجو أن تتوقفوا عند كلمة مجانية – إلى عدة مكتبات مدرسية في منطقته (والهدية غير الرشوة بدليل أن كل من أثروا من خلال كراسيهم لم يحاسبوا لأنهم لم يرتشوا بل قبلوا هدايا عينية صغيرة مكنتهم من اقتناء السيارات والعمارات والمحلات والجميلات.. وما الى ذلك) وقد فكر صاحبنا – ابن عبيدان – أن يتصل مع بعض زملائه الكتبة كي يتبرعوا بعينات من نتاجهم الأدبي والبحثي لرفد المكتبات المدرسية التي تفتقر نوعاً ما إلى الكتب الجديدة . لكن الذي حدث هو أنّ أحد الموجهين في مديرية التربية بطرطوس أوعز إلى قريب له ( أو قريبة) كي يعيد تلك القصص المجانية لصاحبها ( وأشدّد على كلمة مجانية مرة ثانية) بحجة أن ذلك يحتاج إلى موافقة مديرية التربية! هنا مربط الفرس، وسأسمح لنفسي – يتابع بن عبيدان – بأن أسأل الموجه المذكور (أو الموجهة) (المذكورة) عن مصدر هذه العبقرية التي يمتلكها إن كانت هبة من الله سبحانه وتعالى أم اكتساباً من خلال جولاته الميدانية وتحركاته! وأسأله – يتابع ابن عبيدان – إن كانت الكاتبة أجاثا كريستي أو جبران أو تشيخوف أو شكسبير أو المنفلوطي أو أحلام مستغانمي أو بلزاك أو همنغواي أو سان جون بيرس أو باولو كويلهو أو توفيق الحكيم أو حنا مينه أو زكريا تامر ونموره في اليوم العاشر… قد حصلوا على موافقات من مديريات التربية كي يُسمح لمؤلفاتهم بالعبور من ثقب الإبرة إلى المكتبات المدرسية!. وأسأل الموجه ( الموجهة) الذي يعرف نفسه – يتابع ابن عبيدان – إن كان قد سمع بربع هؤلاء وقرأ بعدد أصابع اليد الواحدة لهم أم أن الغضب والحقد قد أعميا عيونه وأخرستا لسانه عن لفظ كلمة شكراً لمن تبرّع بعددٍ من كتبه التي هي بقيمة أولاده طبعاً، هذا عند من يعرف قيمة الإبداع وقيمة الكتابة وقيمة الأوقات التي يقضيها الكاتب وهو يجوجل أفكاره بحثاً عن كلمة أو جملة أو عبارة تدخل إلى نفس القارئ المتعة أو الدهشة أو السؤال!..هنا تنتهي حكاية ابن عبيدان .
تعليقنا على حكاية ابن عبيدان بسيط لا يتعدى دعوة شخصيات كهذه ومسؤولين كهؤلاء كي يتبصروا في أفعالهم وفي أقوالهم وفي تصرفاتهم، لأنه يفترض أن يكونوا قدوة في المجتمع يمشون أمام الجميع إلى الأمام لا إلى الخلف.. وليرحم الله الشاعر الذي قال:
لا يحملُ الحقدَ من تعلو به الرتبُ
ولا ينالُ العلا من طبعُهُ الغضبُ
وعلى ضوء ما قد أسمع من تعليقات وتصريحات وتصريخات وبعبعات وتهديدات ستتعمق ثقتي بأن بعض من يجلسون على الكراسي لا تليق بهم تلك الكراسي بل يستحقون الجلوس على الحجارة المدبّبة أو على جذوع الأشجار المهترئة.. أو حتى على تلال من الرماد.. وفهمكم كفاية!