مساعدة أمريكية جديدة.. إطالة الأزمة السورية

تؤكد التصريحات الأخيرة الصادرة عن أركان الإدارة الأمريكية، على تنوعها، العديد من القضايا الهامة، التي حاول البعض تجاهلها، عن قصد، منذ بدء الأزمة السورية قبل أكثر من ثلاث سنوات. فقد عمدت هذه الإدارة إلى إدخال العديد من المنشغلين سلباً بالملف السوري، وبضمنهم الحلفاء والوكلاء، وصولاً إلى الأدوات الصغيرة التي ارتضت هذا الدور، في متاهات التعابير (السياسية) المفضوحة، والتي باتت أكثر وضوحاً في سياق تفاعلات الأزمة وتداعياتها.

إذ أغدقت علينا هذه الإدارة وما تختصره من مراكز قوى ومؤسسات وأصحاب صناعة القرار الأمريكي الحقيقيين، بالعديد من التعابير حول كيفية تعاطيها مع الأزمة السورية، بدءاً من ضرورة إحداث تغيير في موازين القوى السورية الداخلية، أي إطالة عمر الأزمة عملياً، واستمرار نزيف الدم السوري، وتخريب البنى التحتية للدولة، إلى إمداد المعارضة (المعتدلة) بوسائل الدعم المطلوبة، مروراً بإقرارها بتزويد هذه العصابات الإجرامية بالأسلحة (الفتاكة) وغير الفتاكة.

وانساق الحلفاء والوكلاء والأدوات تحت زيف هذه اللافتات، مبررين لواشنطن ولأنفسهم هذا التدخل الخارجي في شؤون دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، وبالتالي (الإقرار) بعدم قدرتهم على إحداث تغيير سوري داخلي دون هذا الدعم الهائل الذي وظفته هذه الإدارة الأمريكية وأتباعها، وتقاسموا إدارته وسبل إيصاله مادياً وعسكرياً ولوجستياً.

ورغم الإنجازات الوطنية السورية، وما تؤكده من فشل هذا المشروع المحلي التابع و(الإقليمي) و(الدولي) التي أثرت وترافقت مع تغيير إيجابي في التعامل الدولي مع الأزمة السورية وعناوينه باتت واضحة دولاً ومواقف وتعاملاً، وصولاً إلى حصر مجموعة (أعداء سورية) بـ(مجموعة لندن الـ11)، فضلاً عن التصريحات والإعلانات الرسمية وغيرها التي تقر بوحدانية الحل السياسي وتالياً متطلباته.

وهذا ما عملت عليه سورية مبكراً، كذلك أصدقاؤها وحلفاؤها وأصحاب المواقف المتوازنة، وبات يلقى دعماً شعبياً سورياً واسعاً وعريضاً، ويحرج بالمقابل العصابات والمجموعات التكفيرية – الظلامية وداعميها ومموليها.

إذ أعلن العديد من رموز ما يسمى بـ(الائتلاف المعارض) أنهم أصبحوا على هامش الأزمة السورية وتطوراتها، وصولاً إلى مطالبة البعض منهم بضرورة الإقلاع عن محاور التجاذبات والاصطفافات الإقليمية والدولية الجارية، في إطار التعاطي مع الملف السوري، كذلك إقرار العديد من رموز (المعارضة الداخلية) بأنهم لم يعودوا جزءاً من الحل المفترض للأزمة.

ونضيف من جانبنا وصف الرئيس الأمريكي أوباما للواهمين بإمكان إحداث تغيير في سورية على يد هذه (المعارضات) بأنه نوع من (الفانتازيا).

والأكثر غرابة أنه بعد هذا الإقرار الذاتي لـ(المعارضين) على اختلافهم وفضائحهم، وصولاً إلى طلب النجدة الأمريكية طبعاً لوقف حالة الإحباط والانهيارات في صفوف العصابات الإجرامية التابعة، واستمرار مسلسل الإنجازات البطولية الوطنية السورية، أن يخرج علينا أوباما مطالباً الكونغرس الأمريكي بصرف نصف مليار دولار لـ(تدريب مقاتلي المعارضة وتجهيزهم)، وأن يبرر البيت الأبيض هذا الطلب الممجوج بأن الرئيس الأمريكي يتعرض لضغوط من أقطاب الكونغرس لزيادة الدعم الأمريكي للمعارضة السورية، ويواصل هذا التبرير بتصريحات أخرى، أنه سيتم التدقيق بشأن مقاتلي المعارضة قبل تقديم هذا الدعم.

لم نشكّ للحظة واحدة منذ بدء الأزمة السورية حتى تاريخه، بالدعم الأمريكي للعصابات والمجموعات المعارضة، وهذا ما أكدته الوقائع تباعاً، كما لم نشك على الإطلاق بالتسهيلات والدعم المادي وفتح الحدود والدعم اللوجستي، الذي يفعل فعله في الأزمة السورية، ويطيل أمدها وكوارثها، إلا أن مواصلة الحديث عن (الحل السياسي) وترافقه مع استمرار هذا الدعم المختلف الأوجه، خلافاً لكل الأعراف والأنظمة والقوانين الدولية، بهدف إحراز تغيير في موازين القوى وبضمنه المبلغ المقترح 500 مليون دولار، فإن أقل ما يمكن وصفه به أنه العهر والنفاق السياسي والأخلاقي.

وأن يُستنكر (الإرهاب) ويجري تأكيد مخاطره الإقليمية والدولية في العراق، على بعد أمتار فقط من الحدود العراقية – السورية، ويُدعى إلى إقامة جبهة عالمية ضده، وأن يتواصل في الوقت ذاته الدعم والتسليح له في سورية، بوصفه حركة (ثوار) و(معارضين).. إلخ، فإنه أكثر من عهر، وأشد من النفاق ذاته.

وإن على من بقي لديهم بعض الوهم بالديمقراطية ولافتاتها المشروخة وغيرها من الشعارات، أن يتعظ، ولو كان هذا متأخراً، بعد سنوات الأزمة ومرارتها، فالوطن يبنيه أبناؤه ويدافعون عنه ويصونون شرفه، وأما الأدوات والمأجورون فمكانهم الطبيعي تاريخياً معروف.

العدد 1194 - 15/04/2026