الحليب ومشتقاته.. ثروة أصابتها الأزمة بالشلل والمنطق الاقتصادي يستدعي تفعيل الحلول الممكنة
كثيراً ما نسمع عن عمليات الغش التي تحدث في مشتقات الحليب من الألبان والأجبان وحتى الحليب نفسه، وبالطبع انتشار عمليات الغش في مشتقات الحليب ناتج عن عدة أسباب، منها قلة الإنتاج، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الحليب ومشتقاته بنسب بلغت أكثر من 400% مقارنة مع أسعاره قبل الأزمة، فقد كان كيلو الحليب لا يتجاوز 25 ليرة، في حين حالياً يباع بـ120 ليرة، وربما أكثر، وذلك حسب المناطق، وذكرنا سابقاً أن التسويق يلعب دوراً في خفض أسعار المنتجات بين المناطق المنتجة والمناطق المستهلكة، وحالياً ما نجده في الحليب أن هناك تفاوتاً في الأسعار، فكما ذكرت جمعية حماية المستهلك سابقاً في أحد تصريحاتها، أن البائع يعرض على المستهلك نوعان من اللبنة: منخفضة السعر وهي مغشوشة ومخلوطة، وأخرى مرتفعة السعر وهي غير مغشوشة، وكأن الغش أصبح عرفاً، وعادة يتم الإشهار به دون خوف أو خجل، وحالياً تشهد أسعار الحليب ومشتقاته من ألبان وأجبان انخفاضاً طفيفاً، لأنه موسم مونة.
الحليب ومشتقاته.. صعوبات بالجملة
وكان رقم ذكر في أحد المواقع الإعلامية المحلية، أشار إلى حجم خسائر الاقتصاد السوري بسبب انخفاض إنتاج الحليب، وبالطبع الرقم ليس بسهل أو قليل، فقد أشار أحد الخبراء إلى أن الخسائر تقدر بأكثر من 100 مليار ليرة سنوياً، مما دفعنا للتساؤل عن وضع إنتاج الحليب حالياً، وتوجهنا بالسؤال حول ذلك إلى رئيس جمعية مشتقات الحليب في دمشق وريفها عبد الرحمن الصعيدي، الذي أكد لـ(النور) أن الثروة الحيوانية في ريف دمشق أصبحت قليلة وخاصة الأبقار، لافتاً إلى أنه لا يمكن الوقوف على إحصاءات معينة عن عدد الأبقار، فقد أصبحت أعدادها لا تذكر، وبالتالي فإن تغذية أسواق دمشق وريفها بمادة الحليب ومشتقاته يتم عن طريق بعض المحافظات مثل حماة ودرعا وبعض مناطق ريف دمشق مثل القلمون.
وأشار الصعيدي إلى أن الحليب شهد انخفاضاً في إنتاجه، نتيجة نقص بعدد رؤوس الأبقار، إذ إن 60% من الثروة الحيوانية فُقدت في دمشق وريفها، قائلاُ: (كان في منطقة المليحة نحو 6 آلاف رأس بقر، وفي منطقة دوما نحو ألفي ورشة لصناعة مشتقات الحليب، وجميعها أغلقت، وهذا انعكس على الأسواق).
استيراد الحليب كيف؟ ومن أين؟
وبالنسبة لتسعير مشتقات الحليب، لفت رئيس جمعية مشتقات الحليب إلى أن تسعير مشتقات الحليب يعتبر أمراً صعباً حالياً، فهناك الكثير من التكاليف التي يتكبدها التاجر ولا يتم تسجيلها مثل عمليات النقل، وقد تم الرد على كتاب وزارة التجارة الداخلية حول قضية التسعير، مشيراً إلى أن قرار وزارة الاقتصاد القاضي بالسماح باستيراد الحليب الخام مستحيل التنفيذ، (فكيف يمكن استيراد الحليب، ومن أين، وخاصة أنه مادة سريعة التلف ويحتاج إلى شروط تخزين معينة. فالأردن كانت تستورد من سورية وكذلك لبنان، ومن تركيا الاستيراد صعب، مؤكداً أن استيراد الحليب البودرة لم يشهد أي توقف، وذلك بفضل الحكومة التي لم تقصر في توفير المواد الغذائية الأساسية في الأسواق رغم العقوبات الاقتصادية وصعوبة الاستيراد.
الصعيدي: لا يوجد غش بمشتقات الحليب..
وبالنسبة لما يقال ويذكر دائماً عن عمليات الغش التي تطول مشتقات الحليب من ألبان وأجبان، لفت الصعيدي إلى أن ما أثير عن وضع مادة السبيداج ضمن اللبنة أمر عارٍ عن الصحة، مؤكداً أنه لم يُضبط أي بائع يقوم بذلك أو أي معمل.
وذكر أن عملية غش مادة اللبنة تتم فقط عن طريق وضع النشاء والزبدة النباتية فيها، وهو ليس بغش لأنه ليس بمواد ضارة صحياً، إذ إن هناك العديد من الدول العربية وغير العربية تصنع اللبنة بإضافة بعض الدسم النباتي إليها، وتكون على شكل كريمة، لافتاً إلى أن ما يباع في الشوارع من لبنة بسعر 250 ليرة للكيلو، هي ليست ضارة صحياً، ولكن أصبحت تلائم دخل المواطن، الذي بدأ يبحث عن الأرخص في تأمين معيشته ومستلزماته الأساسية، لأن سعر كيلو اللبنة النظامي يصل إلى نحو 550 ليرة.
وأكد رئيس الجمعية أهمية تكامل الجهود من أجل إيجاد مناطق آمنة لدعمها بالثروة الحيوانية، مشيراً إلى أن استيراد الأبقار الذي تعمل عليه الحكومة يحتاج إلى مناطق آمنة، وخاصة في الأرياف.
دباس: تلاعب بالأوزان
أوضح مروان دباس، رئيس اتحاد حرفيي دمشق، لـ(النور)، أن ارتفاع أسعار الحليب ناتج عن ضعف العرض في الأسواق، لافتاً إلى أن الأسعار الخاصة بمشتقات الحليب بدأت تشهد انخفاضاً، بسبب تسرب بعض الكميات من البادية إلى الأسواق.
وعن عمليات الغش في مشتقات الحليب، لفت دباس أنه يتم خلط الحليب بالمياه والحليب الناشف غير الصحي أحياناً المنتهي الصلاحية، وخلط الألبان بالأرز والنشاء، وينتشر بيع الألبان والأجبان على الأرصفة والبسطات، مع غياب واضح لشروط الصحة والسلامة الاستهلاكية، عدا التلاعب بالأوزان، إذ تباع عبوة 800 غرام للمستهلك على أنها كيلو وبسعر الكيلو نفسه.
دبا: إنتاج الحليب لم يتغيّر والمشكلة بالتسويق!
محمد أيمن دبا، مدير مشروع تطوير الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، أكد لـ(النور)، أن هناك حركة دائمة ومستمرة للقطعان ضمن المحافظات السورية، وذلك وفق الظروف التي تعيشها مناطق وجود القطعان من حيث كونها آمنة أو غير ذلك.
وأكد أنه لا يمكن الوصول إلى رقم إحصائي عن عدد الثروة الحيوانية حالياً، وخاصة في ظل الظروف الراهنة والحركة الدائمة للقطعان، مشيراً إلى أن عدد رؤوس الأبقار في سورية يبلغ نحو مليون رأس، بحسب آخر إحصائية.
وأشار إلى أن إنتاج الحليب لم يجر عليه تغير مقارنة مع الكميات المنتجة قبل الأزمة، لافتاً إلى أن العقبة الرئيسة تتمثل في تسويق الحليب، فهو يواجه صعوبة بالغة في التسويق بين الأماكن المنتجة للحليب ومناطق الاستهلاك، وخاصة أن الحليب يعتبر مادة سريعة التلف.
ولفت إلى أن الأزمة الراهنة والتحركات الدائمة للقطعان دفعت المربين إلى الاستغناء عن بعض الرؤوس ذات الإنتاجية الضعيفة للتخفيف من تكاليف التربية ولسهولة التنقل، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الحليب ضمن الأسواق ناتج عن قلة العرض.
تعليق: التدخل والدعم والتشدد بالمراقبة
بعد عرض السابق لا بد من التأكيد أن الحليب يعتبر سلعة محلية ذات قيمة صحية واقتصادية معاً، وأن انخفاض إنتاجه أو صعوبة تسويقه أضّر بالأسواق الداخلية والخارجية، فمشتقات الحليب تعتبر من المواد الأكثر تصديراً من سورية إلى الدول المجاورة. وبالطبع أدى ذلك إلى فقدان الأسواق الخارجية مع ارتفاع في أسعارها ضمن الأسواق المحلية.. وبالطبع الثروة الحيوانية حالياً تواجه العديد من الصعوبات، وعلى الحكومة أن تعالج هذه الصعوبات قدر الإمكان، وأن تفعل الحلول الممكنة من أجل إعادة هذه الثروة إلى طريقها الصحيح وتحقيق العائد الحقيقي منها، بحيث تعمل على دعمها ودعم المربي والتدخل عبر مؤسساتها الإيجابية وصالاتها لتوفير مشتقات الحليب بأسعار منافسة ضمن الأسواق المحلية، مع تشديد الرقابة على ما يباع ضمن المحلات ومراكز التصنيع، ومكافحة بيع المواد الغذائية على الأرصفة والبسطات، لأنها لا تحقق أدنى شروط السلامة الصحية، وخاصة أن أغلب الغش يتم ضبطه إما على الأرصفة أو ضمن الأقبية.