شمٌّ وأكلٌ.. مضغ وبلع
الحكيم العاقل لا ينشر عطره في حضرة المزكومين، ولا يزرع قمحه في أرض غير أرضه، ولا يبوح بعلمه أمام الجهلة وأصحاب النفوس التافهة.
(إن محادثة مَن لا يفهم بمنزلة مَن يضع الموائد والفواكه لأهل القبور، ومحادثة مَن لا يعقل بمنزلة مَن يبل شجرة يابسة لا تبتل، ونقل الصخور من رؤوس الجبال أسهل من معاشرة أصحاب العقول الضيقة).
وكيف ينبت الزرع إذا بُذرت الحبوب فوق الصخور، وكيف يختمر العجين إذا لم يُعجن بنية طيبة وماء عذب؟
وكيف سنعرف ما في بطون الكتب إذا لم نتعلم صابرين قراءة الحرف وكتابة الكلمة؟
إن المعارف والثقافات الموجودة داخل بطون الكتب كالورود، العاقل يستفيد منها ويستمتع بها وبرائحتها، والجاهل الحسود يعجز عن ذلك فيأكلها انتقاماً من العقلاء.
إن كل شيء في حياتنا بحاجة إلى تجربة ومغامرة.. فكيف أعرف الغابة إذا لم أغامر وأدخلها؟ وكيف سأصل إلى الجبال إذا لم أصبر وأجرب وعورة الطرق وصعوبة المشي فوقها؟
والقراءة والمعرفة والخبرة في الحياة هي المادة الخام لكل علم وفكر وإبداع، ولا ينقص من مياه البحار والمحيطات إذا استفدنا من أمواجها واستخرجنا كنوزها، الشيء الذي يضر البحر وينقص من قيمته هو أن تكون قشوراً على أمواجه، أو جثثاً عائمة على سطحه الواسع.
قد يسهل على المرء أن يدخل الطعام إلى فمه، ويملأ معدته بكل ما لذ وطاب من طعام وشراب، إنما الصعوبة أن يملأ قلبه بالمحبة والرضا والقناعة، وأن يملأ روحه بالسلام، وأن يُدخل إلى عقله كل جديد مفيد، وينزع منه كل قديم مضر، وأن يأخذ اللب ويترك القشور، ويستمدّ من التربة الموحلة كل عنصر قادر على إعانة وروده على النمو والتفتح.
الحياة رحبة في عين مَن اقتنع بما قُسم له، وستبقى ضيقة، وفارغة من المعنى في نظر مَن ليس في وجوههم نظر، ولا في عقولهم رؤية.
وإذا كانت الحياة حلقة، فلن تكون إلا منا، نحن حلقاتها، وثوانيها وعقاربها، وكل مَن يعيش ضمن تلك الحلقات لن يرى أبعد من محيط الدائرة، وقلة مَن يسمو بوعيه وثقافته وتفكيره، فيرتفع ليرى أبعد من المحيط.
عندما نستطيع أن نُدخل المعارف إلى عقولنا، ونفهم ما نرى وما نقرأ، حينئذ فقط تتوهج نفوسنا وتحلّق أرواحنا، نضيء ونضيء ما حولنا مَثَلُنا مثل الشمس التي تمتلئ بالوهج والضياء فتمنح نورها للجميع.
إنما البعض قد يأكل العسل في كل صباح، ومع ذلك لا نجد في كلامهم إلا الحنظل، وفي أفعالهم إلا الشوك والإبر. وبعضهم قد يأكل خبزاً ناشفاً، ومع ذلك نجد في كلامهم وفي أفعالهم أشياء أطيب من السمن وألذ طعماً من العسل.
الورود يتشممها العقل، فتنبت في داخله ليخرجها فيما بعد روائح طيبة على شكل قصائد جميلة، وقصصاً وألحاناً تعطّر مَن حولها.. (وبعض الورود تأكلها الديدان وتبتلعها الحمير والبهائم لتشبع بها جوعها..).
وشتان بين الشم والأكل!
وبين المضغ والبلع!