رفع سعر البنزين يطرح سؤالاً: هل درست الحكومة أثر رفع أسعار المشتقات النفطية على ذوي الدخل المحدود.. وماذا عن التعويض؟..

ها هي ذي الحكومة عادت لترفع أسعار المشتقات النفطية، فقد رفعت سعر ليتر البنزين بشكل مفاجئ إلى 120 ليرة لليتر، بزيادة 20% أي 20 ليرة على الليتر.. وبالطبع وفق الكثير من التصريحات كان القرار مفاجئاً، حتى أن مصادر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك أوضحت لـ(النور)، أن الوزارة لم يكن مهمتها سوى التوقيع على القرار فقط.. وبالطبع كان لهذا القرار أثر على الأسواق، وخاصة أن أسواقنا تتميز بسرعة التجاوب مع الارتفاعات وبطء التجاوب في انخفاض الأسعار، فما إن يرتفع الدولار أو المازوت أو البنزين أو حتى بمجرد سماع ذلك دون أن يتحقق، نرى الأسعار تقفز قفزاً عجيباً غريباً ودون أي تفسير، بل وتكون الحجج مفصلة لدى البائعين وجاهزة، إلا أنها لم تعد مقنعة أبداً للمستهلك.

ماذا عن النقل؟

متابعون أكدوا لـ(النور) أن الرفع الأخير لسعر ليتر البنزين سيكون له أثر على الأسعار، ذلك أن رفع تعرفة النقل وفق القرار سيكون بنسبة 13.60% وسيتم تعديل عدادات التكاسي وسيارات الأجرة وفقاً لهذه النسبة، إلا أن الأسعار لن تكتفي بالارتفاع عند هذه النسبة فقط وفق المتابعين، بل ستتجاوز هذه النسبة وربما ضعفها، وخاصة مع ضعف الرقابة المفروضة على وسائل النقل، والتي أخذت ترفع الأسعار مزاجياً وتضع الشروط المسبقة لنقل أي حمولة إلى أي منطقة وبالسعر الذي تراه وترغبه.. وبالطبع لا ينكر أحد مدى مساهمة النقل في رفع الأسعار سابقاً، فخبراء اقتصاديون قالوا سابقاً إن تكلفة أجور النقل تشكل نحو 50% من التكلفة الكلية للمنتج، وبالطبع هذا الحديث كان قبل رفع سعر البنزين حالياً، إذاً فمع رفع سعر البنزين حالياً، فإن تكلفة أجور النقل سوف تشكل ما لا يقل عن 65% وربما أكثر من تكاليف المنتج أو مواده الأولية! وبالطبع هناك ارتباط وثيق بين النقل وأسعار المواد، فكلما ارتفعت أجرة النقل ارتفعت الأسعار أكثر، أي أن الأسعار بطبيعة الحال سترتفع كرد فعل طبيعي لقرار رفع سعر البنزين، وبنسب غير مضبوطة وغير معروفة، وستكون متأرجحة من مكان إلى آخر!

بالطبع وسائل النقل التي تقوم بنقل المواد والسلع والمشتقات النفطية أغلبها تعمل على مادة المازوت، ولكن يجب أن لا ننسى أن هناك العديد من وسائل النقل التي تقوم بنقل المواد والسلع بين المناطق، سواء داخل المحافظة نفسها أو إلى محافظة أخرى، مثل وسائل النقل الصغيرة التي تعمل على البنزين والتي تقوم بنقل الخضار والفواكه من أسواق الجملة إلى أسواق المفرق، عدا بائعي الجملة والوسطاء، فأغلب سياراتهم تعمل على البنزين، وبالتالي سيدفعون أكثر للحصول على البنزين، وبالتالي سينعكس ذلك على أسعار السلع التي يقومون ببيعها وتوزيعها، سواء لبائع المفرق أو للمستهلك مباشرة. وأكد متابعون أن ما يقال بأن القرار لن يكون له تأثير على الأسواق، هو بعيد عن الواقع، بل سيطول الطبقة المتوسطة والفقيرة بالدرجة الأولى، فلدى رفع سعر ليتر البنزين من 80 ليرة إلى 100 ليرة، ارتفعت الأسعار ارتفاعاً ملحوظاً في الأسواق، ولكن هذا الارتفاع لم يكن ملتصقاً بمادة البنزين فقط، وذلك نتيجة تذبذب سعر الصرف وقتذاك، إلا أن المواطن لمس ذلك في أسعار الخدمات المقدمة وخاصة النقل، فقد تضاعفت أجور النقل وأصبحت التكاسي تعمل كالسرافيس وتنقل خمسة ركاب، حتى أن محافظة دمشق عملت على تنظيم هذه الظاهرة من خلال السعي لإحداث ما يسمى تكسي سرفيس، لعلمها بأن المواطن لم يعد يتحمل وحده تكلفة أجرة التكسي لأنها أصبحت مرتفعة كثيراً ولا يستطيع دخله أن يواجهها، وبالطبع حالياً ستشهد تعرفة وسائل النقل، وخاصة التكاسي والسرافيس العاملة على البنزين، نوعاً من الفوضى، لحين صدور التعرفة المحددة لها ولحين تعديل العدادات، على الرغم من أن الكثير من التكاسي لا تلتزم بعداداتها أبداً، حتى أنها لا تقوم بتشغيلها، ويكون الركوب بالتكسي وفق بازار مفتوح، فالسائق يشترط على الراكب سعراً معيناً لإيصاله إلى منطقة معينة حتى قبل أن يركب بالتكسي.

هل الحكومة عازمة على رفع الدعم؟

ومن خلال تتبّع القرارات التي أصدرت لرفع أسعار المشتقات النفطية وحوامل الطاقة، يتبين وفق متابعين أن الحكومة عازمة على رفع الدعم عن المشتقات النفطية وحوامل الطاقة وبسرعة، خاصة أن الحكومة تواجه تحديات كبيرة في تأمينها بعد توقف العديد من آبار النفط المحلية وخروجها عن السيطرة، وانخفاض معدلات الإنتاج المحلية للمشتقات النفطية بنسب كبيرة جداً، واعتمادها على الاستيراد الذي يكلف الخزينة العامة أموالاً ليست بقليلة أبداً، في ظل ارتفاع سعر الصرف وصعوبة الاستيراد أيضاً بسبب العقوبات الاقتصادية الجائرة المفروضة على الاقتصاد السوري.

بالطبع جميع العوامل السابقة وربما غيرها دفعت بالحكومة وفق المتابعين لاتخاذ قرارات رفع الدعم عن المشتقات النفطية تدريجياً، فالحكومة رفعت سابقاً أسعار المازوت والغاز المنزلي والبنزين والكهرباء على القطاع الصناعي والتجاري والحرفي، بنسب ليست قليلة، وحالياً رفعت البنزين وبقي سعر البنزين مدعوماً من قبل الحكومة بنحو 4 ليرات فقط، وفق ما صرح به وزير النفط مؤخراً، وهناك كما لفتت مصادر في وزارة التجارة الداخلية لصحف محلية، دراسة لإعادة رفع سعر المازوت والغاز المنزلي مرة أخرى، وذكرت دراسات حكومية عديدة سابقاً أن الحكومة عازمة على رفع أسعار المشتقات النفطية، وفعلاً تحولت هذه الدراسة إلى واقع نلمسه حالياً، ولكن يبقى السؤال الذي لا بد للحكومة أن تطرحه وهو: ما هو تأثير قرارات رفع أسعار المشتقات النفطية أو رفع الدعم عنها على الأسواق وعلى المستهلك وعلى القطاعات الاقتصادية المختلفة، سواء الزراعية أو الصناعية والتجارية؟

المستهلك يدفع فروق الأسعار وحده

بالطبع إن رفع الدعم عن حوامل الطاقة سيؤدي بطبيعة الحال، إلى رفع تكاليف الإنتاج، سواء على المزارع أو الصناعي أو التاجر، الذين سيقومون برفع أسعار منتجاتهم على المستهلك النهائي الذي سيدفع فروق رفع أسعار المشتقات النفطية من دخله. وبالطبع من المعروف أن لدى معظم اقتصادات دول العالم التي سارت في اقتصاد السوق الاجتماعي يدفع تعويض للموظفين عن أي ارتفاع في أسعار السلع المحررة، فمثلاً في حال ارتفع سعر سلعة أساسية أو خدمة معينة في السوق يتم تعويض الموظف عن هذا الارتفاع لكي لا يتأثر دخله، ويحافظ على قدرته الشرائية، وهنا يجب على الحكومة أن تأخذ بالحسبان وفق متابعين أثر هذه الارتفاعات على المستهلك، فقد وصف المتابعون أن المستهلك حالياً يواجه العديد من الصعوبات في المعيشة، وخاصة مع غياب تعويض حكومي عن هذه الارتفاعات في الأسعار والخدمات، ويواجه بمفرده جميع مؤشرات التضخم المتمثلة بارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية وأسعار المواصلات والسكن والأجور والخدمات، في حين أن دخله يتناقص يوماً بعد يوم، نتيجة ضعف قدرته الشرائية وارتفاع الأسعار، هذا بالنسبة للعاملين، مع الإشارة إلى وجود نسب كبيرة من العاطلين عن العمل، نتيجة توقف الكثير من المعامل والورش بسبب الأزمة التي تمر على سورية.

هل من تعويض لذوي الدخل المحدود عن هذه الارتفاعات؟

جميع العوامل السابق تحتم على الحكومة التحرك لإيجاد طريقة اقتصادية عادلة لدعم ذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل، حتى يستطيعوا مواجهة هذه الارتفاعات المتتالية في أسعار السلع والخدمات، فاقتصاد السوق الاجتماعي يعنى بالأمور الاجتماعية التي تمس شرائح الطبقة المتوسطة والفقيرة، وأصبحت الطبقة المتوسطة تتقلص لصالح الطبقة الفقيرة في ظل ظروف الحرب العدوانية على سورية، وهذا الأمر يتطلب تحقيق توازن بين طرفي المعادلة (الحكومة والمستهلك) من حيث الحقوق.. فمن حق الحكومة في ظل الظروف الراهنة أن تضغط النفقات وتكافح الهدر، وأن تعمل على تخفيف الأعباء المالية التي تواجه الخزينة العامة، وأن تحصّل الضرائب، ولكن أيضاً من حق المستهلك أن يحصل على خدمة وسلعة غذائية تتوافق مع دخله، ومن حق العاطل عن العمل أن يحصل على عمل، وبالتالي يجب أن تكون الكفة راجحة لصالح المستهلك والمواطن على حساب الحكومة لأنها هي المسؤولة عنه، وهي من تقوم بتوفير احتياجاته.

نهاية القول، نأمل من الحكومة قبل التفكير في رفع أسعار المشتقات النفطية من مازوت وغاز، مرة أخرى، أن تدرس تأثير ذلك على مجمل القطاعات وعلى ذوي الدخل المحدود، وأن تجد حالياً آلية لتعويض المستحقين عن هذه الارتفاعات.

العدد 1140 - 22/01/2025